الرأسمالية قد تكون ظالمة لكنها لا تفلس بشكل شامل
حقيقة الأمر هي أن الإفلاس ليس حتمياً في أي نظام اقتصادي سواء كان رأسماليا أو رأسمالي متوحش، أو ريعي أو رأسمالي حاضن. وهناك أمثلة كثيرة حول العالم. إذا لماذا أفلس لبنان؟
التاريخ يعلمنا أن ما من رأسمالية متوحشة أفلست في العالم، صحيح أنها تضرب بالعدالة الاجتماعية عرض الحائط، وتنتج فروقات طبقية كبيرة… لكن رغم ذلك، فإن نظاماً كهذا لا يفلس! لذا نكرّر السؤال: ما سبب إفلاس لبنان؟
جوهر كارثتنا وحقيقتها فهو أن لدينا نظاماً ليبرالياً موصولاً بنظام ميليشياوي يرعى مافيات تفرض خوات
نظام ليبرالية – الخوة أو السلطة – الغنيمة
جاءنا بعض المصرفيين التافهين ليقولوا لنا إن الإفلاس حصل بسبب سلسلة الرتب والرواتب، متجاهلين أن السلسلة زادت العجز المالي في الخزينة وليس في القطاع المصرفي… أما جوهر كارثتنا وحقيقتها فهو أن لدينا نظاماً ليبرالياً موصولاً بنظام ميليشياوي يرعى مافيات تفرض خوات.
خمسة أمثلة في الهدر المالي: الصحة، المياه، الكهرباء، الاتصالات، و التهرب الجمركي على المعابر الحدودية ونشوء الإقتصاد الأسود
لدينا في السلطة مرجعيات طائفية أمنية وميليشياوية تفرض على الاقتصاد الحقيقي خوات مقابل الحماية. هذا هو النموذج الذي اعتمد في لبنان منذ العام 1992. لنأخذ بعض الأمثلة:
1 – مستشفيات عامة مستباحة وخاسرة
خطط آنذاك الرئيس الراحل رفيق الحريري ونفّذ قيام مستشفيات حكومية، حيث دفع تمويل بنائها وتجهيزها من الدولة وأعطاها لمجلس إدارة لتسييرها أو إدارتها وفقاً لمنطق المستشفى التجاري لتحقيق ربح ما، على أن يكون الربح ضئيلاً نسبة لما يحققه المستشفى الخاص.
والنتيجة: إن المستشفيات الحكومية كلها خاسرة، ونشهد إضرابات للعاملين فيها من أجل أن تدفع الدولة أجورهم. هل من مستشفى في لبنان يخسر غير المستشفى الحكومي؟ أما السبب فيعود إلى استباحته من فارضي الخوات من السياسيين سواء بالحشو الوظيفي و/أو الاستشفاء المجاني للمحاسيب وأساليب سلب ونهب أخرى، متناسين أنه كان يفترض بالمستشفى أن يتمتع باستقلال مالي وإداري يخوّله الربح أو عدم الخسارة.
2 – مصالح مياه بسرقات تضرب أطنابها
مثال آخر في مصالح المياه التي جهّزتها الدولة وطوّرت مصادر المياه والينابيع بقروض دولية وعربية، ومدّت الشبكات، ووضعت العدّادات وأوصلت المياه إلى البيوت. أوكلت الدولة لمصالح المياه أعمال الصيانة والجباية. ومع ذلك، كانت الخسارة أيضاً حليفة مصالح المياه بفعل الخوات والسرقة التي تضرب أطنابها.
3 – قطاع خليوي رابح حتى وصل إليه باسيل والصحناوي
مثال ثالث في قطاع الخليوي الذي أنشئ بصفقة مع مسؤولين سوريين كانوا الملاك الحقيقيين للقطاع متسترين بأسماء لبنانية هي عبارة عن واجهات فقط، علماً أن التمويل الأول للتأسيس تأمّن من جيوب المشتركين الذين دفعوا آنذاك 500 دولار عن كل خط. عندما أتى الرئيس السابق للجمهورية إميل لحود زعم استرداد القطاع إلى كنف الدولة، كان ذلك بدافع من الملاك الحقيقيين (مثل حكمت الشهابي وابراهيم صافي وعبد الحليم خدام وبشار الأسد…) الراغبين باسترداد قيمة ملكيتهم للأسهم. أمّم لحود القطاع وأجبر الدولة على دفع تعويضات.
تدنّت جودة الاتصالات، فأصبح لدى الشركتين مصلحة محصورة بزيادة عدد الخطوط عشوائياً لزيادة ربحيتها من عدد الخطوط
كان القطاع يوفّر للخزينة سنوياً ملياراً ونصف مليار دولار عندما كان يديره عبد المنعم يوسف الذي تعرّض لهجمة عليه بطرق مختلفة أبرزها الدعاوى القضائية. هجمة من طالبي الخوات من مختلف الجهات السياسية والأمنية والإعلامية. رفعوا ضده 90 دعوى قضائية لم تثبت إدانته في أي واحدة منها… إلى أن استلم القطاع الوزير جبران باسيل.
كان العقد قائماً على أن الشركة المعنية تتقاضى أجرة أو بدلاً مقطوعاً لتسيير القطاع وعلى عاتقها نفقات الموظفين والصيانة. على أن تبقى مسؤولية تطوير الشبكات على عاتق الدولة. فإذا بجبران باسيل (مع نقولا الصحناوي) يغيّران كل فلسفة العقد، فأصبحت الشركة تتقاضى بدلاً عن كلّ خط، وبالتالي باتت مصلحتها زيادة عدد الخطوط. وحوّلا كلفة الموظفين إلى عاتق الدولة بعد أن قفز عددهم في الشركتين من نحو 1000 إلى أكثر من 2000. وذلك مع بقاء كلفة التطوير على الدولة. ( بحسب خبير دولي للاتصالات يكفي 300 موظف في كل شركة) ما يعني أن ما جبته الشركتان من بدل ادارة، ومن جيوب الناس كان مقابل لا شيء.
تدنّت جودة الاتصالات، فأصبح لدى الشركتين مصلحة محصورة بزيادة عدد الخطوط عشوائياً لزيادة ربحيتها من عدد الخطوط، ولأن العائد من الشبكة للدولة وليس لها. ولم يعد هناك حاجة لشركة ثالثة، علماً أنه كان يمكن أن تباع بثمن مالي عالٍ للدولة، لو طرحت في مزاد… ( كان يمكن بيع الرخصة الثالثة ب ٢.٦ مليار $ اميركي) ونحن اليوم أمام قطاع خاسر بعدما بدأت الايرادات تتراجع بقوة منذ ما قبل هبوط سعر صرف الليرة.
4 – الكهرباء مع جهات سياسية تابعة للممانعة منذ 1985
في الكهرباء مافيات أيضاً. الأولى هي مافيا الفيول الموجودة منذ 1992. مثل شركة البساتنة القائمة إلى اليوم وهي بالشراكة مع جهات سورية نافذة، والكهرباء هي القطاع الوحيد الممسوك منذ 1985 من جهة سياسية واحدة تابعة للممانعة… من ايلي حبيقة إلى أيوب حميد، ومحمد عبد الحميد بيضون وسليمان الطرابلسي… وصولاً إلى ايوب حميد ووزراء حزب الله محمد فنيش و الطاشناق والعونيين جبران باسيل، سيزار ابي خليل، ندى البستاني وليد فياض.
فضيحة الفضائح أن في هذه الوزارة “اشتراكية دولة المحاسيب”، تعيش بشكل غريب مع ليبرالية اقتصاد السوق
مجموع سلف الخزينة للكهرباء منذ 1992 تصل إلى 47 مليار دولار $، والقيمة تصعد إلى 53 ملياراً$ مع الفوائد. مجموع الخسائر والأرباح الفائتة أو الضائعة في وزارة الطاقة تصل إلى 100 مليار دولار، وهذا يشمل الهدر في الكهرباء ومشاريع السدود الفاشلة ( المسيلحة، القيسماني، جنة، بقعاتا، بالوع تنورين الخ…) ومشاريع معالجة المياه المبتذلة ومحطات التكرير، وتجارة البنزين والفيول التي يدفع اللبنانيون كلفة نقله 10 أضعاف الكلفة المقبولة تجارياً على المستوى العالمي.
فضيحة الفضائح أن في هذه الوزارة “اشتراكية دولة المحاسيب”، تعيش بشكل غريب مع ليبرالية اقتصاد السوق؛ اشتراكية في الكهرباء، وليبرالية وخصخصة في قطاع المحروقات، قامت له شركات أيام الرئيس الراحل الياس الهراوي، بملكيات لجنبلاط ( كوجيكو) وبري( الطاقة) وحبيقة وقانصوه( ليناكو) ويمين وفرنجية( كورال وليكوغاز)…
5_ الاقتصاد الأسود الموازي
انطلاقا من عهد اميل لحود فتحت الدولة اللبنانية خطوط عبور مستقلة لمستوردات متنوعة يديرها حزب الله في مرفأ بيروت والمطار، كما على المعابر الحدودية السورية، وتطورت الحركة على هذه المعابر بعد صدامات ٧ ايار ٢٠٠٨ واستيلاء حزب الله على حركة المطار في بيروت، فيما مكن دخول قوات حزب الله العسكرية الى سورية نهاية سنة ٢٠١١، مكن الحزب من الإمساك بالحدود اللبنانية السورية ومن السيطرة على المعابر الحدودية، وعلى الرغم من ان مبرر هذه التسهيلات كانت بذريعة تسهيلات تتعلق بالعمل المقاوم ضد اسرائيل، الا ان الواقع أدى الى قيام حركة استيراد واسعة ممنهجة ومتزايدة، لبضائع تجارية ومواد استهلاكية، كانت تأتي وتستورد لكي تنظم سوقا اسودا موازيا بلغ حجم حصته، أكثر من ٣٠% من الاقتصاد الحقيقي والحق خسائر بالمالية العامة والرسوم الجمركية ونقصا في جبايات الضريبة المضافة، بلغ مجموعها ٢ مليار دولار سنويا.
حصل ما لم يكن في الحسبان مع اندلاع الأزمة السورية في 2011، ففقد لبنان وظيفته الاقتصادية
الأزمة السورية : حصل ما لم يكن في الحسبان في 2011
بعد هذه الأمثلة، نعود إلى البحث عن سبب الإفلاس. كان يمكن لهذا النمط من النظام أن يستمر: اقتصاد حقيقي ينتج فائضاً ربحياً معقولاً تقتطع منه خوات للمنظومة المافيوية. حصل ما لم يكن في الحسبان مع اندلاع الأزمة السورية في 2011، ففقد لبنان وظيفته الاقتصادية. فقد أدوار مستشفى العرب ومرفأ العرب ومطار العرب وجامعة العرب وملهى العرب ومنتجع العرب… وبدأ يتفاقم العجز في ميزان المدفوعات الذي كان منذ 1943 إلى 2011 إما فائضاً وإما متوازناً. ذلك الفائض كون خميرة معتبرة في المصارف بودائع هائلة وصلت إلى 140 مليار دولار $ نهاية سنة 2013.
تراكم عجز ميزان المدفوعات بقوة في 2011 و2012 و2013، فأدرك السياسيون ورؤساء الأحزاب والميليشيات والوزراء وأصحاب المصارف وإداراتها وحاملو أسهمها وكبار المودعين وحاكم مصرف لبنان… أدرك كل هؤلاء أن انهياراً مقبلاً لا محالة قد يحدث.

خيار المنظومة بالتربح من الانهيار
كان أمامهم 3 خيارات متاحة:
- الأول، فرض كابيتال كونترول في نهاية العام 2014، حيث كان لدى مصرف لبنان موجودات من العملات الاجنبية بقيمة5.1 مليار$ يضاف اليها 35.7 مليار $ كاحتياطي الزامي على الودائع المصرفية اي ما مجموعه 40.8 مليار $، وبلغ دين الدولة العام المتراكم، 66.6 مليار $.
كان يمكن توقيت الانهيار في ذلك التاريخ، عبر تخفيض بسيط في سعر صرف الليرة، كما كان يمكن الشروع باجراءات اصلاحية تطاول اقرار موازنة سنوية تخضع لقانون المحاسبة العمومية ولقطع حساب سنوي
كما كان ممكنا اطفاء جزء من الدين العام بطرق مختلفة مثل الخصخصة وبيع رخصة خلوية ثالثة وبيع بعض المرافق (كازينو كميدل ايست، موجودات انترا) وتحسين إدارة الأملاك العامة وجباية الرسوم على الاملاك البحرية والنهرية وعلى اعمال الكسارات والمقالع…
- الخيار الثاني كان القيام بإجراءات إصلاحية اقتصادية مثل ترشيق القطاع العام وتحويل المؤسسات العامة من خاسرة إلى رابحة وإصلاح قطاع الكهرباء بمساعدة سيمنز أو الصندوق الكويتي، وتحويل قطاع النفايات إلى قطاع رابح وغيرها من الحلول والإصلاحات.
- الخيار الثالث هو الاستثمار في الانهيار أو محاولة التربح من الانهيار. هذا هو الخيار الذي اتخذته هذه المنظومة بكل أطرافها كلٌ حسب مصلحته بمساعدة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أمين صندوق المنظومة.
بداية نشأة اللولار وحرب الفوائد وهروب الأموال
كانت الودائع الحقيقية تتراجع، فرفعوا الفوائد لترتفع الودائع قيدياً، فنشأ ما بات يعرف اليوم باللولار، خاصة بعد إنشاء نظام مقاصة لبنانية محلية للدولار الأميركي.
مع عجز ميزان المدفوعات، كانت الدولارات الحقيقية تتناقص بينما الودائع الإجمالية القيدية ترتفع مع الفوائد ما زاد من حجم اللولارات أو الدولارات الوهمية. ودخل النظام المصرفي في مزايدات على الفوائد من 7 إلى 10 إلى 15 إلى 18%، فتضخمت أرباح المصارف، وحصل توسع في توزيع الأنصبة على المساهمين والبونصات على كبار المصرفيين التنفيذيين. ذلك التوزيع كان من أصل دولارات متناقصة في مكان آخر، وتقدّر التوزيعات بنحو أكثر من 40 مليار دولار.
في منتصف 2018 بعد أزمة سعد الحريري في السعودية، أدركوا أن اللعبة شارفت على الانتهاء، فبدأ إخراج الرساميل من لبنان لا سيما من المحظيين أصحاب المعلومات المسرّبة من الداخل أي المطلعين على المعلومات قبل غيرهم
في منتصف 2018 بعد أزمة سعد الحريري في السعودية، أدركوا أن اللعبة شارفت على الانتهاء، فبدأ إخراج الرساميل من لبنان لا سيما من المحظيين أصحاب المعلومات المسرّبة من الداخل أي المطلعين على المعلومات قبل غيرهم. ويشمل ذلك أيضاً السياسيين ورؤساء الأحزاب الطائفية ووزراء وكبار الموظفين والمصرفيين وكبار المودعين بالإضافة إلى حاكم مصرف لبنان. لو طبق الكابيتال كونترول في بداية 2018 لأمكن الاحتفاظ بأكثر من 34 مليار دولار كانت لتشكل مدماكاً في مسيرة وقف الانهيار أو إبطائه.

واستمر خروج الأموال في 2019 وهو ممّا تبقى من دولارات فعلية. وهناك تقديرات تشير إلى هروب أو تهريب ودائع ورساميل بنحو 42 مليار دولار.
توسع مفرط للمصارف في الخارج في ظل عجز ميزان المدفوعات اللبناني
على خط آخر وتوازياً قامت المصارف بتوسعات خارجية واسعة النطاق بين 2011 و2019. وتمت زيادة مكاتب التمثيل والفروع الخارجية والمصارف الشقيقة أو التابعة. ففي مطلع سنة 2014 كان هناك 17 مصرفاً لبنانياً تمثل ما يقارب 86% من حجم القطاع في لبنان لديها وجود في 31 بلداً تغطي أسواقاً عربية هامة كسوريا والأردن والعراق ومصر والسودان والجزائر والسعودية والإمارات والبحرين وقطر وسلطنة عمان، كما تغطي أسواقاً إقليمية ذات وزن اقتصادي مهم كتركيا. إضافة إلى الانتشار المصرفي اللبناني في القارة الاوروبية بدءاً بسويسرا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا واللوكسمبورغ وموناكو، مروراً برومانيا وبيلاروسيا وأرمينيا وصولاً إلى بلجيكا وقبرص.
كانت هذه طريقة أخرى لسرقة ودائع العملاء. فقد عملوا على جذب المودعين وإغرائهم بالفوائد المرتفعة، وفي الموازاة يتوسّعون في الخارج باستخدام هذه الأموال
كما توسّعت المصارف اللبنانية باتجاه القارة الأميركية (كندا) وكذلك أفريقيا (شاطئ العاج، نيجيريا، الكونغو والسنغال) وأخيراً أستراليا. وامتدت شبكة المصارف اللبنانية في الدول المشار إليها إلى العديد من المدن الرئيسية، وباتت مصارفها التابعة أو الشريكة أو الشقيقة البالغ عددها 39 مصرفاً تمتلك عدداً من الفروع تخطى 270 فرعاً كما في أيار 2014، ما يمثل 25% من فروع لبنان. أما حجم نشاط المصارف اللبنانية العاملة في الخارج، فيشكل 17% من إجمالي الميزانيات المجمعة للمصارف العاملة في الأسواق الخارجية.
وكانت هذه طريقة أخرى لسرقة ودائع العملاء. فقد عملوا على جذب المودعين وإغرائهم بالفوائد المرتفعة، وفي الموازاة يتوسّعون في الخارج باستخدام هذه الأموال. وحصل ذلك في ظل عجز متفاقم سنة بعد سنة لميزان المدفوعات ( بلغ العجز المتراكم بين ٢٠١١ و٢٠١٩ في ميزان المدفوعات اكثر من ٢٨ مليار $) . كما أن بعض الأموال التي هربت ظهرت في أرصدة المصارف لدى البنوك المراسلة الخارجية التي ارتفعت بنحو 6 مليارات دولار. والأنكى أن بعض مساهمي المصارف اقترضوا من مصارفهم برهن الأسهم التي يحملونها، أخرجوا الأموال من لبنان ثم سدّدوا القروض على سعر 1500 للدولار بعد انفجار الكارثة.
لم تكتف المنظومة بهذا القدر من الاستثمار بالكارثة بل لجأت إلى التربح من أموال الدعم عبر التهريب ومدّ النظام السوري بكل احتياجاته خرقاً لقانون قيصر
أموال للدعم والتهريب واستنزاف احتياط مصرف لبنان
لم تكتف المنظومة بهذا القدر من الاستثمار بالكارثة بل لجأت إلى التربح من أموال الدعم عبر التهريب ومدّ النظام السوري بكل احتياجاته خرقاً لقانون قيصر، فاستنزفت خلال عهد حكومة حسان دياب أكثر من 17 مليار دولار ليبقى في احتياط مصرف لبنان أكثر من 11 ملياراً قد لا تكفي متطلبات الاستيراد لأشهر قليلة قادمة، في حين تمّ ايهام اللبنانيين أن موجودات القطاع المصرفي لديهم قبيل تشرين 2019 تصل إلى 188 مليار دولار استفاقوا ليجدوها هباء منثوراً.
القضاء الأميركي الفدرالي في قضية مادوف مرجع للحل في لبنان
في قضية مادوف وهي أشهر قضية «بانزي سكيم» قبل كارثة لبنان أصدرت المحكمة الفيدرالية الأميركية حكماً فيدرالياً مبرماً «يقضي بأن الأرباح التي وزعها مادوف على عملائه لم تكن أرباحاً حقيقية، بل كانت أموالاً مقتطعة من ودائع جديدة تدفع كأرباح مزعومة لودائع قديمة». المفهوم هذا يمكن أن يطبق على مجموع الدولارات القيدية التي سجلت كفوائد على الودائع في لبنان، وهي قيود ودولارات وهمية غير موجودة تماماً كأرباح مادوف التي وزّعها، والتي حكمت المحكمة الاميركية الفيدرالية باستردادها.
عمليا منذ بداية العام ٢٠١٥ حيث اصبحت موجودات مصرف لبنان من العملات الاجنبية سلبية ( كتاب الدين العام اللبناني/ فؤاد السنيورة ص ١٢٥)، اصبحت الفوائد التي يقيدها مصرف لبنان لكل مودع ارقاما وهمية،تماما كالارباح التي وزعها مادوف في اميركا والتي اعتبرتها المحكمة الفدرالية الاميركية، بحكم مبرم اموالا مسروقة، يتوجب استعادتها من قدامى المودعين، الذين تركوا مادوف قبل انهياره، لصالح تغطية خسائر المودعين الجدد الذين فقدوا ودائعهم.
اصبحت الفوائد التي وزعها مصرف لبنان قيدية لا تغطية لها من الدولارات الحقيقية، الفوائد من اول ال ٢٠١٥ كلها لولار وليس دولار
ما هو الحل الآن؟: فصل الدولار الحقيقي عن الوهمي!
كل دولار قيدي (لولار) سعره 3900 ليرة او 8000 ل ل. ونبدأ في الجرد بين حقيقي وغير حقيقي من آخر 2014، بعد ان فقد موجوداته من العملات الاجنبية، اصبحت الفوائد التي وزعها مصرف لبنان قيدية لا تغطية لها من الدولارات الحقيقية، الفوائد من اول ال ٢٠١٥ كلها لولار وليس دولار. أما الدولارات الحقيقية فهي الرصيد في اخر سنة ٢٠١٤ وكل اضافة لدولارات حقيقية تاتي من عملية تحويل من الخارج او الداخل ولا تكون نتيجة فوائد. نفصل عن الأرصدة كل الدولارات التي سجلت كفوائد. فينقسم الحساب إلى اثنين: الدولار الحقيقي واللولار. الدولار الحقيقي يستردّ كما هو، والباقي يدفع على سعر 3900 ليرة او 8000 ل ل للدولار. نجري التقييم اللازم بين من لديه دولارات ومن لديه لولارات ومن لديه الاثنان معاً، وستظهر حتماً حسابات سلبية خصوصاً حسابات من سبق وأخرج دولاراته من لبنان، وعليه ردّها لأنها دين عليه لغيره.
استرداد ما لايقل عن 36 مليار دولار
نتيجة هذا القرار البسيط سنسترد ما لا يقل عن 36 مليار دولار، تشطب ثلاث مرات؛ واحدة من عجز الخزينة لدى مصرف لبنان، وثانية من الفجوة في مصرف لبنان وديونه لدى القطاع المصرفي، وثالثة تخفض البنوك مطلوباتها من مودعيها بالرقم نفسه. في هذه الحالة، المودع ليس مظلوماً لأن أصل وديعته معترف به بالكامل، والباقي من الفوائد يرد له على سعر 3900 ليرة/ 8000 ل ل لكل دولار أو لولار.
والاقتراح هذا يتوافق مع التعميم الخجول لمصرف لبنان رقم ١٥٤ الذي طلب من المصارف على حث زبائنهم على استرجاع %٢٠ من ودائعهم المحولة الى الخارج ابتداء من ٢٠١٧ وعلى تحويل ٣٠ % من هذه الودائع اذا كان اصحابها من ال PPs او من ادارات البنوك وحاملي اسهمها لانهم يخضعون لجريمة التداول من الداخل délit d’initier التي يعاقب عليها القانون اللبناني بموجب المادة ١٦٠/ ٢٠١١.
هل من العدالة والقانون استرداد اموال قام بتحويلها مواطنون اسوياء تحت سقف قانون النقد والتسليف، وتم نقلها الى الخارج بين سنتي ٢٠١٥ ضمنا و٢٠٢٢!؟
الجواب نعم! لوفرضنا ان مودعا ما، كان لديه وديعة ب 100 الف $ في نهاية سنة ٢٠١٣ وتلقى عليها فائدة سنوية بنسبة 7.5% لمدة ست سنوات،( وهي فائدة قيدية لا تغطى بدولارات حقيقية) ثم قام بتحويلها الى خارج لبنان مع فوائدها فاصبحت 200 الف $، عمليا، هو اخذ وديعته الاصلية مضافا اليها مائة الف دولار من ودائع المودعين الذين ابقوا ودائعهم داخل لبنان، وحسابه الحقيقي هو مائة الف $ الاصلية زائد مائة الف لولار سعرها ٨٠٠ مليون ل ل اي مايوزي 26600 $ اميركي على سعر صيرفة، وعليه يجب ان نسترد منه 73400 $ اي ما يوازي36.7 % من امواله المحولة الى الخارج. ويتم ذلك بحكم قضائي وبسند تحصيل يصدره البنك الذي يديره الحساب.
الباقي من الفجوة، يجري سداده بعدة طرق أبرزها ضخ رساميل جديدة في المصارف، عبر إعادة رسملة تصل إلى ثلثي قيم أسهمها بنحو 16 مليار دولار
اعادة رسملة المصارف والتصرف ببعض أصول الدولة
الباقي من الفجوة، يجري سداده بعدة طرق أبرزها ضخ رساميل جديدة في المصارف، عبر إعادة رسملة تصل إلى ثلثي قيم أسهمها بنحو 16 مليار دولار. وهذا المبلغ هو لتعويض خسارة المصارف في رأسمالها، المقيم ب ٢٢ مليار دولار على سعر صرف رسمي ١٥١٥ ل ل، بعد اعتماد سعر صرف جديد للدولار ب ١٥٠٠٠ ل ل.
ويبقى 20 مليار دولار يمكن معالجتها بعدة طرق مثل التصرف ببعض الأصول العامة (الكازينو وانترا والميدل ايست) بالإضافة إلى طرح رخصة خليوي ثالثة، وتأجير مرافق عامة معينة وتفعيل استثمار الأملاك البحرية.. نحن لا نتحدث عن خصخصة شاملة، بل عن مرافق لم تعد الدولة قادرة على إدارتها، يضاف إلى ذلك الحل الجذري المطلوب لقطاع الكهرباء وإنشاء قطاع نقل عام أو مشترك لتخفيف تسرب المليارات لمافيات المحروقات من جيوب الناس وميزان المدفوعات.
ولعل كل هذه الإجراءات مع ما يرافقها من إعادة نظر في حجم القطاع العام والوصول إلى حكومة إلكترونية، وضبط معابر التهريب الجمركية في المرفأ والمطار واسترجاع قطاع النفط إلى الدولة وإنشاء مصفاة تكرير واستعادة دور لبنان كمصب للنفط العراقي، كل هذا يمكن أن يكون قاعدة لاستعادة العافية إلى وطن منهوب من حاكميه وموسريه.
إقرأ أيضاً : بالفيديو: محلل اسرائيلي: سياسيو لبنان «نصابون» وتابعون لــ«حزب الله»..وعون كان «عميلاً» لنا!

