حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: سلاح لأية قضية…

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

خلال ندوة لعرض نتائج استفتاء انتخابي، قامت به احدى المؤسسات المختصة، باستطلاع اتجاهات الراي العام اللبناني، وتقدير نسب تأييد اللبنانيين لزعماء السياسة في لبنان، وأحزاب السلطة وقوى التغيير ومجموعات الحراك والاحزاب المنضوية في هذا الحراك قديمها وجديدها، طرح محدثنا سؤالا عن حزب الله، ليستعرض مواقف الحاضرين في تلك الندوة، كان السؤال: هل انت مع سلاح حزب الله، انقسمت اجوبة الحاضرين بين الاجابة بنعم او لا، وحازت الاجابة ب ( لا) اكثرية نسبية معقولة، فهل كان السؤال صحيحا؟ أي هل سلاح حزب الله يشكل قضية؟! وهل سلاح حزب الله هو كل القضية!؟

إقرأ أيضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: عراضة جوية كتعمية للمهانة


لا يقتصر التساؤل عن سلاح حزب الله، على مؤسسات الإحصاء ورصد اتجاهات الرأي العام، بل يأخذ مكانا بارزا، في نقاشات الحياة السياسية، ونزاعات الأطراف السياسية اللبنانية كافة، وقد شكل هذا الموضوع بندا أساسيا من مقاربة الرئيس السنيورة الاخيرة، حيث ورد على لسانه:《 لا يمكن اعادة بناء الدولة اللبنانية طالما استمر حزب الله يسيطر على هذه الدولة مستقويا بسلاحه، الا أنه ومن جانب اخر، لا يمكن الغاء حزب الله من المعادلة الوطنية، وبعبارة اخرى، لا دولة مع سلاح حزب الله، لكن هناك امكانية لدولة مع حزب الله دون سلاح حزب الله، الذي اصبح بالفعل موجها لصدور اللبنانيين وضد الاشقاء العرب》.

لا يقتصر التساؤل عن سلاح حزب الله،على مؤسسات الإحصاء ورصد اتجاهات الرأي العام بل يأخذ مكانا بارزا في نقاشات الحياة السياسية


على مستوى آخر يتعدى النقاش والصراع حول سلاح ودور حزب الله الساحة اللبنانية، الى ساحة الاجتماعات الاقليمية، كما يحوز اهتمام المنظمات العربية والدولية، وقرارات الجامعة العربية ومجلس الامن الدولي والامم المتحدة.

فهل يشكل السلاح اي سلاح بحد ذاته قضية، بحيث يتوجب على الأطراف او الأفراد، ان يتخذوا موقفا منه تأييدا ومناصرة او رفضا وادانة!

لا يريد حزب الله نقاش زمان سلاحه ليصبح أبديا سرمديا ولا يريد نقاش مكان سلاحه ليصبح مشرعا في اي مكان في العالم


ولعله من نافل القول، أنَّ حزب الله لا يريد نقاشا، أي نقاش، يدور حول سلاحه، فتاره يضع كل تساؤل حول سلاحه، في دائرة الشبهة ويلصق بمن يطرحه لأي حوار، في خانة الخيانة والعمالة، لأي عدو ومن ضمنهم اسرائيل، وتارة اخرى يربط هذا السلاح بظهور الامام المنتظر، ويجعل منه جزءا من عقيدة دينية، مهمته المساهمة في اقامة حكم الامام المهدي الذي سيملأ الدنيا عدلا وانصافا بعد ان ملئت جورا وظلما… فيرفعه الى مرتبة القداسة!

حزب الله يرفع شعار يعلن فيه “سنكون حيث يجب ان نكون” ووجوب التواجد والممارسة تحدده مرجعيته في ايران


لا يريد حزب الله نقاش زمان سلاحه ليصبح أبديا سرمديا، ولا يريد نقاش مكان سلاحه ليصبح مشرعا في اي مكان في العالم، فقضية المقاومة التى يتكنى بها، تفترض دفاعا عن لبنان وعن ارض الجنوب فيه، فتلزمه بمكان محدد، وتفترض ان تكون بمواجهة اسرائيل وهي عدو محدد، وتفترض ان فترة المقاومة تنتهي بانتهاء الاحتلال وانسحاب جيشه عن ارض لبنان، لكن حزب الله يرفع شعار يعلن فيه ” سنكون حيث يجب ان نكون” ووجوب التواجد والممارسة، تحدده مرجعيته في ايران، بهذا المعنى يريد حزب الله أن يكون سلاحه مشرعا وشرعيا، في مواجهة أي خصم! في اية مواجهة! وفي اية قضية! وفي اي زمان! واي مكان!، سواءً كان في مواجهة اسرائيل، أو في مواجهة مذهبية وسياسية داخلية في ٧ ايار ٢٠٠٧، او خلاف طائفي في احداث الطيونة الأخيرة، أو آلة ميليشياوية ترهب متظاهرين عزل، في خيم متظاهري حراك ١٧ تشرين في ساحات العازرية، او النبطية او بعلبك… كما يريد ان يكون سلاحه خارج اي نقاش، سواء ذهب للدفاع عن نظام الاستبداد في دمشق، او لدعم الفصائل الولائية للحشد الشعبي العراقي، التي حاولت بعض اطرافها اغتيال رئيس الحكومة العراقية الدكتور مصطفى الكاظمي، بواسطة مسيرات ايرانية، ويريد من كل لبناني او عربي ان يتجاهل انخراطه السياسي والعسكري في حرب اليمن، وعمليات قصف المدن السعودية وخطوط انتاج النفط وممراته، واستهداف أم القرى، مهبط الوحي على نبي المسلمين.

يتفاقم دور حزب الله الاقليمي للانخراط بسلسلة من الملفات والأزمات التي لا تطال سلاح الحزب تحديدا بل دوره كمنظومة متكاملة


السلاح اي سلاح، بما في ذلك سلاح حزب الله، ليس قضية بحد ذاته، لكي ينال تأييدا او رفضا، القضية التي يشهر السلاح من أجلها، هي من تتحَدَّدُ حولها المواقف، وتتجمع حولها الآراء، والسلاح لا قداسة له، ولا تنزيها لكيانيته، فاذا كانت القضية هي فلسطين، كان السلاح الذي يلتزم بالدفاع عن قضيتها شرعيا، وشرعيته تنبثق من شرعية القضية، شرط ان ينحصر مجالُ استخدامَه في خدمة القضية وشعبها، واذا كانت القضية تحرير لبنان من إحتلال اسرائيلي او أي احتلال اجنبي آخر، كان السلاح الذي يلتزم إجلاء الاحتلال شرعيا، خلال زمن الاحتلال، وتنتهي شرعيته لحظة انجاز التحرير والجلاء عن أرض الوطن. واذا كان السلاح قضيته المساهمة في الدفاع الوطني عن سيادة الدولة وحدودها وثرواتها الوطنية، فلا يمكن ان يكون قرارُ اشتباكه وصراعه، خاضعا ومُحَرَّكا من جهة أو دولة اجنبية، فلا يمكن الدفاع عن سيادة الدولة وحمايتها، بجعلها رهينة لدولة أجنبية أخرى، واستعادة دولة لبنان، لقرار الحرب والسلم عبر حدود لبنان، هو أولُ القرارات السيادية البديهية، فسيادة لبنان إمَّا أنْ تكون كاملة شاملة على حدوده وداخل حدوده، أو لا طائل من الزعم بتولي الدفاع عنها عبر استباحتها.
لا تنحصر مشكلةُ سلاح حزب الله، بما تقدم من إشكالات وتناقضات، بل يتفاقم دور حزب الله الاقليمي، للانخراط بسلسلة من الملفات والأزمات التي لا تطال سلاح الحزب تحديدا، بل دوره كمنظومة متكاملة، تخوض حروب التدخل الخارجي لمصلحة ايران، ولهذه المنظومة تأثيرها المحلي والعربي والدولي، وهو أمر لم يكن موجودا ما قبل سنة ٢٠٠٠، يوم انجاز تحرير الجنوب وتنفيذ القرارين الدوليين ٤٢٥ و٤٢٦.

سيادة لبنان إمَّا أنْ تكون كاملة شاملة على حدوده وداخل حدوده أو لا طائل من الزعم بتولي الدفاع عنها عبر استباحتها

منذ ٢٥ ايار سنة ٢٠٠٠، وهو يوم يحتفل فيه حزب الله بعيد المقاومة والتحرير، حدثت تطورات مفصلية في بنية حزب الله، ودوره ونطاق عمله ووظيفته، وهي تتلخص بالأمور التالية:
• أن حزب الله حتى تاريخ انسحاب اسرائيل لم يكن منخرطا في الصراع السياسي الداخلي، فلم يشترك بأي وزارة، ولم يطالب بأي منصب في الدولة او الجيش او الاجهزة الامنية، ولم يشارك في محاصصة التعهدات او الصفقات، كان حزبا لديه برنامج من بند واحد، هو قتال اسرائيل وجيش لحد في جنوب لبنان، اضافة الى دور متواضع في دعم بعض الفصائل الفلسطينية، ولم يمارس أي صراع مع اية دولة عربية، ولم يتبنَّى أي عمل سياسي أو أمني، حدث خارج لبنان او طال دولة عربية. حتى ذلك اليوم وبعده بعدة سنوات، كان الانطباع العام، ان حزب الله وسلاحه مخصص للمقاومة في وجه اسرائيل، وحصرا في وجه اسرائيل.
• اعلنت اسرائيل خروجها من لبنان في صيف سنة ٢٠٠٠، ووافقت الامم المتحدة ولبنان على الخط الازرق كخط مقبول لانسحاب الجيش الاسرائيلي، وبقيت مزارع شبعا قضية عالقة، ترفض سورية لبنانيتها، وكشف السفير الاميركي فريدريك هوف الذي كان وسيطا بين لبنان واسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية، ان الرئيس بشار الأسد، قد أكَّد له أنَّ مزارع شبعا ليست لبنانية وأنَّ سورية تطالب بها، بما يدعم الزعم الاسرائيلي بانها تنضوي بمنطوق القرار ٣٣٨ وليس منطق القرار ٤٢٥.
• مع انسحاب الجيش السوري واغتيال الرئيس رفيق الحريري وحصار السراي الحكومي، ثم احداث ٧ ايار، اصبح حزب الله جزءا من الحكومة اللبنانية وطرفا رئيسا من أطراف الصراع الداخلي، وتحوَّلت وجهة سلاحه لتغيير التوازنات الداخلية، وفقد امكانية فتح جبهة عسكرية، لحرب شاملة ضد اسرائيل بعد تنفيذ القرار الدولي رقم ١٧٠١، ثم اكتسب حق النقض في قرارات الدولة اللبنانية، وتمكن سنة ٢٠١١ من تأليف حكومة نجيب ميقاتي التي امسك بقراراتها وتوازنات أطرافها. وبذلك تحوَّل حزب الله من مقاتل يدافع عن ارض وطنه، بوجه عدو اجنبي، الى تنظيم مسلح يُشهِرُ سلاحَه بوجه شريك وطني واطراف لبنانية اخرى.
• مع تدخل حزب الله في الحرب السورية تحول حزب الله، مرة أخرى، من تنظيم مسلح لبناني يتبنى قضية الدفاع عن وطنه، الى طرف يمارس الدفاع عن نظام استبدادي أقلَّوي، وينخرط في حملات ابادة وتهجير جماعية، ثم انتقل الحزب للانخراط في حروب داخلية عربية طالت العراق واليمن والسعودية…

على مدى عشرين سنة كاملة حيث لم يعد واقع احتلال اسرائيل للبنان قائما بشكل واضح كان دور حزب الله يتوسع لكن عدوه تبدل من إسرائيل الى اطراف لبنانية محلية


على مدى عشرين سنة كاملة، حيث لم يعد واقع احتلال اسرائيل للبنان قائما بشكل واضح، كان دور حزب الله يتوسع، لكن عدوه تبدل؛ من إسرائيل الى اطراف لبنانية محلية، من العملاء في جيش لحد الى المعارضة السورية لنظام الاسد، كان سلاحه يتكدس ويتطور، لكنه كان يفقد قضيته سنة بعد سنة، وكانت شرعية سلاحه تتقلص، كان تزداد جبهات معاركه وتتنوع أصناف اعدائه، وكانت صورته امام الرأي العام تنتقل من دوائر الرضا والإعجاب، الى مأزق السخط والغضب، ولم تأتي الاخبار المتداولة عن انخراط جهات فاعلة منه، في جرائم منظمة كتبييض اموال أو تهريب مخدرات، الا لتستكمل صورة محزنة، لعبثية تعاظم الدور وتعدد الجبهات وتكدس السلاح، في ظل فقدان المعنى والقضية.

السابق
كيف اصبحت الأسعار الجديدة لجوازات السفر؟
التالي
واشنطن والشرق الأوسط.. ماذا كشفت أزمة أوكرانيا؟