بالنسبة لتاريخ تشيع البقاعيين وبلاد بعلبك ، فإنه محاط بستار كثيف من الغموض والإبهام ، ولا بد قبل الدخول في مناقشة فرضية التشيع هنا، من أن ننبه إلى أن الوجود الشيعي في البقاع ينحصر في المنطقة الممتدة من تعلبايا على فم زحلة حتى الهرمل في أقصى الشمال البقاعي ،وعلى خط سفوح السلسلة الشرقية والسلسلة الغربية المطلتين على سهل البقاع في المنطقة ذاتها كما أشرنا من قبل.
ومن المعروف من وجهة تاريخية بحتة ،أن بعلبك كانت تضم قبل الفتح الإسلامي لها سنة 14 هجرية ،خليطاً من السكان الروم والعرب والفرس، وقد فتحها أبو عبيدة بن جراح إذ تحولت من المسيحية إلى الإسلام ذي الطابع السني الرسمي حتى عهد الأيوبيين والفاطميين ،في القرنين العاشر والحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر حيث لم يتح لنا معرفة أشياء كثيرة عنها سوى أنه، في أيام سيف الدولة إرتفع شأن التشيع في سوريا وكانت بقاع سوريا أيام الحمدانيين مكتظة بالشيعة كحلب وضواحيها وبعلبك وقراها وجبال عامل وسواحلها.
اقرأ أيضاً: العامليون لم يستسلموا للجزّار: حرب العصابات أجبرت العثمانيين على الانسحاب
أما كيف تحولت بعلبك إلى التشيع بغالبيتها، فمن المعروف أنها بدأت تتأثر بهذا الجو الذي عمل على قيام تحول مذهبي بين سكان المنطقة كافة ؛لا بل من المؤكد كما يقول المؤرخ الشيخ علي الزين أن علماء جبل عامل قد ساهموا بنشر التشيع في بقاعٍ كثيرة من العالم في إيران والهند والشام والبقاع والحجاز والعراق وغيرها، وفي إطار هذه المهمة التي كانت تضطلع بها مدارس جبل عامل الدينية ،من المتوقع أن يكون البقاع من بين مجالاتها البشرية ان كان من حيث تربية علماء دين بقاعيين قلائل في المدارس العاملية أو من حيث التبشير بالإمامية ورعاية شؤون الإماميين في البقاع . خصوصاً أن جبل عامل كان في ذلك الحين مركزاً أساسياً للشيعة الإمامية في العالم كما ذكرنا وللدلالة على ذلك يطلق صاحب كتاب “أمل الآمل” الحر العاملي، على العلماء المجتهدين الشيعة في بقية المناطق اللبنانية والسورية الى جبل عامل من الناحية الدينية لقب العاملي، كقوله في ترجمة للعلماء المذكورين “الكركي العاملي والشامي العاملي والشمسطاري العاملي”، فرغم كون هؤلاء من منطقة جغرافية مختلفة وهي: (الكرك، الشام، شمسطار) فإنهم يُنسبون بإنتمائهم الديني إلى جبل عامل وذلك دليلاً على مساهمته في تشيع البقاع، وقد ورد ذكر أحدهم في “أمل الآمل” وهو “السيد أبو الحسن علوان السيد العاملي الشامي فاضل صالح جليل معاصر سكن بعلبك” وقد سكن بعلبك في أواخر القرن السابع عشر في عهد الأمراء الحرافشة.
الشاه إسماعيل الصفوي طلب من المحقق الكركي تولي شؤون إيران الشرعية
البقاع بالعصر الحديث
وهناك دلائل معاصرة أخرى تؤكد أمر الهجرة العاملية الهادفة إلى البقاع والى بعلبك بصورة خاصة، ويمكن القول في عصرنا الحديث أن أهم رجل دين شيعي أقام في البقاع في القرن العشرين وإليه تُعزى الحركة العلمية الدينية فيها، هو الشيخ حبيب آل إبراهيم وينتمي هذا الشيخ إلى قرية من جنوب لبنان إسمها (حانوي)، وقد افتتح في بعلبك مدرسة دينية وساهم في بناء حسينية وإليه ينسب أحد أحياء بعلبك المحدثة (حي الشيخ حبيب) وفي بعض قرى البقاع نجد اليوم عدداً من علماء الشيعة الجنوبيين.
لذلك نستنتج مما تقدم أن النتائج المتصلة بتشيع بعلبك تدلنا على عدم وجود تاريخ دقيق لبداية تحول بعلبك ومنطقتها من المركز السني الغالب الى المركز الشيعي الغالب . ويظهر مما تقدم أن التشيع دخلها بشكل تدريجي وعلى مراحل إبتداءاً من عهد الدولة الحمدانية في بلاد الشام حوالي 259هـ، 950 م، وإنتهاءً بتأثر قاطنيها بالنشاط الديني لعلماء جبل عامل في التاريخ الحديث.
ويبقى أن نشير إلى أن الهجرات السكانية إلى منطقة بعلبك من جهات دمشق وحلب كانت بفعل دوافع مختلفة ومن ضمنها الدافع الديني، وما كان لهذه الهجرات من انعكاسات على نسبة التوزيع الطائفي في المنطقة. ويضاف إلى ذلك التهجير ألقسري الذي تم في القرن الرابع عشر الهجري على أثر حملة المماليك الشهيرة عام 1305م التي أزاحت الشيعة من فتوح كسروان وهجرتهم إلى البقاع والجنوب والسواحل، ثم عندما استباح الجزار جبل عامل عام 1781م فدمّر جنده المدن واحرقوا القرى، فنزح قسم كبير من العامة والعلماء المنكوبين الى البقاع، الأمر الذي أثر بدوره أيضاً على نسبة التوزيع الطائفي في المنطقة والتداخل مع النشاط الشيعي الضئيل فيها ،ليؤلف فيما بعد ما يعرف اليوم بشيعة البقاع وبعلبك الهرمل.
وعلى هذا الأساس، نقول أنّ بلاد البقاع قد دخلها التّشيُّع على مراحل، وقد ساهم العلماء القادمون من جبل عامل في ترسيخ هذا التشيّع وشدّ أواصر الانتماء ووحدة الهوية الروحية والوطنية بين العامليين واخوانهم البقاعيين، و قاموا باغناء الحركة الدينية والعلمية والثقافية في البقاع على مرّ التاريخ.
ونستعرض اهم العلماء الذين ولدوا وعاشوا او هاجروا الى البقاع، وجلّهم من اصول عاملية، ساهموا بنهضة علمية وادبية ودينية في البقاع ، قبل وبعد ضمّ محافظتي الجنوب والبقاع الى دولة لبنان الكبير.
الهجرات السكانية إلى منطقة بعلبك من جهات دمشق وحلب بسبب الدافع الديني
ألمحقِّق الكركي (1463–1533)
هو نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي ، المعروف بالمحقِّق الثاني والمحقّق الكركي، ولد في كرك نوح قرب مدينة زحلة البقاعية، وقد تتلمذ على يد المحقق الكركي، عدد من العلماء ورَبَى، في مدة يسيرة، ما يزيد على أربعمائة مجتهدٍ. ولقد فاقت مؤلَّفات الكركي الثلاثين مؤلَّفاً بين، تحقيقٍ وشرحٍ وحاشيةٍ ورسالة …
هو أول فقيه من جبل عامل يستجيب لدعوة الصفويين. وقد رفض قبله الشهيد الثاني دعوة الصفويين له بالذهاب إلى دولتهم.
التقى المحقق الكركي بالشاه إسماعيل الصفوي في (هرات) عندما فتح الملك الصفوي هذه المدينة، وطلب منه أن ينتقل معه إلى إيران ويتولى شؤون الدولة الشرعية والفقهية بموجب المذهب الشيعي. انتقل المحقق الكركي إلى إيران بصحبة الشاه واستغل هذه الفرصة أفضل استغلال، ونشط في تكريس ونشر فقه أهل البيت عليهم السلام في إيران، وتولى تعيين العلماء وأئمة الجماعة والقضاة في أطراف البلاد بصورة منظمة.
قد استطاع المحقق الكركي أن يقنع جمعا من زملائه وأصدقائه وتلاميذه في جبل عامل للهجرة إلى إيران والإفادة من هذه الفرصة السانحة لنشر وتكريس المذهب الشيعي وبسط نفوذ الفقهاء في هذه الدولة الفتية.
ويبدو أن المحقق الكركي استطاع أن يحقق خلال هذه الفترة أهدافه بصورة جيدة، ونجح في بسط نفوذ المؤسسة الفقهية إلى حد بعيد، مما جعل البلاط الملكي يتضايق منه بصورة أو بأخرى، وقد أدى ذلك فعلا إلى برود ملحوظ في علاقة المحقق الكركي ببعض أجنحة البلاط، فآثر المحقق أن يغادر إيران إلى العراق، ويعود إلى النجف مرة أخرى ليعاود نشاطه الفقهي في هذه المدينة.
ويبدو أن الفراغ الذي خلفه المحقق الكركي من بعده أضرّ بالدولة، مما جعل طهماسب ابن الشاه إسماعيل يطلب من المحقق العودة إلى إيران لتسلم منصب شيخ الإسلام في عاصمة ملكه (اصفهان). فاستجاب المحقق الكركي لدعوة الملك ورجع إلى اصفهان عاصمة الصفويين بصفة (نائب الإمام). وهذه الصفة تمنحه بطبيعة الحال الولاية المطلقة في شؤون النظام والامة وتجعل مشروعية النظام تابعة لاذن الفقيه.
كان وفود المحقق الكركي على عاصمة الصفويين بداية لهجرة واسعة من قبل فقهاء جبل عامل والمراكز الفقهية العامرة الأخرى في ذلك التاريخ مثل البحرين. وقد قدم إلى إيران بعد المحقق الكركي جمع من كبار الفقهاء منهم :الشيخ حسين بن عبد الصمد ـ والد الشيخ البهائي، والشيخ علي المنشار، وكمال الدين درويش محمد العاملي، والشيخ لطف الله الميسي العاملي، والشيخ الحر العاملي وغيرهم.
الشيخ بهاء الدين العاملي (1547 –1621)
ولد الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصّمد العامليّ الجبعي، في بعلبك، يوم الأربعاء في 27 محرَّم 953 هجرية. وقد كان والده العلاّمة الكبير الشيخ حسين بن عبد الصّمد من كبار عُلماء جبل عامل، حيث هاجر من قرية جباع العاملية موطن أل الحرّ واعمامهم عبد الصمد إلى بعلبك وسكن فيها، قبل ولادة الشيخ البهائي بسنوات. والشيخ البهائي تتلمذ على أيدي كبار علماءعصره، كوالده الشيخ حسين عبد الصّمد، والشيخ عبد العالي الكركي، والشيخ أبي اللطيف المقدسي وغيرهم الكثير. وكذلك تتلمذ على يديه العشرات المجتهدين والعلماء .
وللشيخ البهائي ما يزيد عن 65 مؤَلَّفاً في الفقه والأصول والأدب والعلوم والهندسة، وهو كان بمثابة موسوعة كبرى، سافر إلى إيران وتوفّي في أصفهان عام 1030 هجرية، نُقل جثمانه الطاهر إلى المَشهَد الرَّضويّ .
الشيخ محمد الحُرّ المشغري المعروف بـ”الحُرّ العاملي” (1623–1692)
هو الشيخ أبو جعفر، محمد بن الشيخ الحسن بن علي الحر العاملي، وينتهي نسبه إلى الحر بن يزيد الرياحي، المستشهَد مع الإمام الحسين (ع) يوم عاشوراء، ولد في 8 رجب سنة 1033 هـ، بقرية مَشغَرى من قرى البقاع في لبنان.
وتعد عائلة آل الحر من العوائل العاملية الدينية الشهيرة ومركزها جباع كما اسلفنا، وقد كانت لهم علاقات مع عائلات الفقهاء والعلماء الكبار، فأبوه الشيخ الحسن بن علي كان فاضلاً وعالماً وأديباً وفقيهاً، وعلى اطلاع بفنون اللغة العربية. وأمه أيضا بنت العلامة الشيخ عبدالسلام ومن النساء الفاضلات.وهو أيضاً من أهل العلم وأفضل أهل زمانه في العلوم الشرعية، وكذلك ابنه الشيخ محمد بن محمد أفضل أهل زمانه في العلوم العقلية.
وجدّه لأمه عبدالسلام بن شمس الدين محمد الحر العاملي، وقد كان متبحراً في الأحكام الفقهية.
تلقى الشيخ الحر العاملي بداية تعليمه الحوزوي في جبل عامل، ثم انتقل الى جباع، وبقي في لبنان حتى سن الأربعين وفي سنة 1073 هـ هاجر إلى العراق من أجل زيارة المراقد المقدسة هناك. ومن العراق توجه إلى زيارة الإمام الرضا في مدينة مشهد الإيرانية، ولما وصل إلى مشهد طاب له المقام هناك فبقي في مدينة مشهد.
توفّي بطوس بجوار المشهد الرَّضوي ودُفن في إيوان الصحن الشَّريف. وبالإضافة إلى تصنيفه وسائل الشيعة، وأمل الآمِل ، له العشرات من التصانيف والمؤلَّفات، والتي أغنت المكتبة الإسلامية بالعديد من العلوم والفنون.
الشيخ حبيب آل إبراهيم (1886– 1965)
كان عالماً فاضلاً فقيهاً، وهو بمثابة الأب والمرجع للشيعة في بعلبك والبقاع وبعض القرى السورية .
ولد في قرية حانويه العاملية، ودرس في بداية عمره في عين بعال. وبعد التحصيل على أيدي بعض العلماء، قصد النجف الأشرف عام 1028هجرية. وبعد تحصيله في النجف، ونتيجة الحرب، عاد الى لبنان. ثم رجع الى العراق، يعمل في حقل الجهاد والعطاء ومقاوماً الانتداب الانكليزي. ولعب دوراً كبيراً في مقاومة حركة التبشير البروتستانتية في منطقة العمارة في العراق.
عندما زار لبنان عام 1932 م، التقى وفداً من بعلبك أيام عشوراء، وطلبوا إليه أن يقيم بينهم، وقد لبَّى طلبهم، فأعطى بعلبك ثلاثاً وثلاثين سنة من عمره وعِلمه وما بخل بشيء. وقد فاقت مؤلفاته الخمسة عشر مؤلَّفاً ، ولِبعضها صدىً كبير في العمل على توحيد المسلمين. ولا ننسى شاعريته التي ظهرت في مدحه للمصطفى وآله صلّى الله عليه وآله. وفي الملاحم والمواعظ.
الشيخ حبيب آل إبراهيم أهم رجل دين شيعي أقام في البقاع في القرن العشرين
الشيخ موسى شرارة (1907- 1998)
هو حفيد العلامة الكبير الشيخ موسى بن امين بن موسى بن محمد شرارة ، ولد في بنت جبيل عام 1907 م. وتوفي في مدينة الهرمل عام 1998م. فقيه، أصولي، مجتهد، اديب، كاتب، شاعر ومبلغ مميز من العاملين المخلصين.
اقرأ أيضاً: الحاكم الفرنسي لشيعة الجنوب: لماذا تدعون بمساجدكم للشريف حسين السنّي؟!
رحل الى النجف عام 1926 م. لطلب العلم وبقي فيها دارساً ومدرساً ومبلغاً حدود 13 سنة، لم يغادرها حتى حاز درجة الإجتهاد، ونال ثلاث إجازات إجتهاد من كبار مراجع النجف يومها، وهم السيد أبو الحسن الأصفهاني، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والسيد جمال الكلبيكاني.
عاد من النجف عام 1939م. ليتزوج من ابنة الشيخ حبيب آل ابراهيم المهاجر ويستقر في مدينة الهرمل للعمل على هداية أهلها وتعليمهم، حيث بقي مقيماً فيها حتى تاريخ وفاته، يقوم بدوره الديني والإجتماعي والسياسي من إمامة الجمعة والجماعة إلى الوعظ والإرشاد إلى الإفتاء إلى أعمال الصلح بين الناس وحل مشاكلهم ومتابعة قضاياهم. فضلاً عن متابعة القرى والبلدات الملحقة بمدينة الهرمل وهي كثيرة، والتنقل بينها في تلك الفترة يحتاج لمجهود كبير.وقام بمجموعة إنجازات في الهرمل كبناء مساجد وحسينيات، بالإضافة الى مدرسة ومبرّة أيتام . تولى منصب الإفتاء الشرعي في الأربعينات وبقي مفتياً للهرمل إلى أن توفاه الله.
(مجلة شؤون جنوبية – العدد 181 – خريف 2021)

