رحل يوم السبت الماضي الشاعر الجنوبي اللبناني إلياس لحود، عن 83 عاما، بعد مسيرة شعرية غنيّة امتدّت لأكثر من ستة عقود، جعلته واحداً من أعمدة الادب والشعر في لبنان.
وُلد لحود عام 1942 في بلدة جديدة مرجعيون (جنوب لبنان)، كتب قصائده الأولى بالفرنسية وهو لم يتجاوز العاشرة، ثم بدأ الكتابة بالعامية والفصحى، في الرابعة عشرة من عمره، وضع أول عمل شعري له، وكان تحت عنوان «أعياد الريف»، قبل أن ينتقل إلى القصيدة الحرّة وقصيدة النثر، ويُصبح أحد المؤسسين الفعليين للحداثة الشعرية في لبنان.
نال الراحل إجازة في اللغة العربية وآدابها في الجامعة اللبنانية عام 1968، وعمل طويلاً في التعليم والصحافة الثقافية، وساهم في تأسيس مجلّتي «الفكر العربي» و»الفكر العربي المعاصر»، قبل أن يُطلق عام 1988 مجلته الخاصة «كتابات معاصرة»، التي شكّلت منبراً لأصوات ما بعد الحداثة في الشعر والفكر.
شعراء الجنوب
أسّس لحود مع شعراء جنوبيين آخرين، مثل جوزيف حرب، حبيب صادق، عصام العبدالله، جماعة «شعراء الجنوب»، التي صدرت عنها أول باكورة شعرية بعنوان «كل الجهات الجنوب»، وكانت هذه المجموعة خطوة أولى نحو تأصيل صوت شعري جنوبي حديث، خارج الأطر التقليدية. كذلك تأثّر الراحل بقضية فلسطين، وبهموم الإنسان العربي، وكتب في شعره عن انكسارات العواصم العربية، وجرح الجنوب اللبناني، وتجربة السجن، والحياة اليومية.
وفي حوار معه يقول: «فتحت عيني على شعر فؤاد جرداق ونقولا قربان وعبد المسيح محفوظ وعبد الحسين عبد الله، ممزوج بقراءات للمتنبي وعنترة والزير سالم، ممزوج أيضًا بقصائد الكتب المدرسية. كنت أنا والشاعر وسام جرداق نتسابق على اقتفاء القصائد وقراءتها. كنا نسمع القصائد التراثية إنشادًا، وقوفًا على الطاولة أحيانًا، أو المشاركة في اللقاءات المدرسية وخصوصًا في المدرسة الأسقفية في جديدة مرجعيون».
وبسبب قرب بلدته من حدود فلسطين المحتلة، وعى لحود مسألة القضية الفلسطينية، والعروبة باكرًا، وقد كتب لاحقًا عن ذلك، في قصيدة له في السجن.
وعمل مديرا إداريًّا لاتحاد الكتاب اللبنانيين، وهو عضو في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، وفي اتحاد الكتاب العرب، وفي نقابة المعلمين في لبنان.
ملامح شعر إلياس لحود
– بدأ إلياس لحود حياته الشعرية بالقصيدة العمودية متأثرًا بالكلاسيكيات العربية، ثم سرعان ما انتقل إلى كتابة قصيدة التفعيلة (الشعر الحر)، حيث وجد فيها مساحة أوسع للتعبير.
رغم تحرّره من الوزن التقليدي، حافظ على الإيقاع الداخلي والصور الشعرية المكثّفة.
– لم يكن لحود شاعر حب وغزل فحسب، بل عبّر في دواوينه عن قضايا الإنسان العربي، القمع، الحروب، النكسة، والاحتلال.
– ديوانه “والسد بنيناه” (1967) مثال بارز، حيث كتب عن سد أسوان كرمز للنهوض القومي، ملامسًا فيه الطموح المصري والعربي. ومنه:
“أنا ظمآن يا أسوان
يا واهبي عزائمي
يا روض بيلسان
لقد بنوا أهرامهم
على صدى الجماجم
وأنت قد بنيتَ
بالورد والريحان”
وتميز لحود أيضًا بشعره العامي، حيث كتب قصائد تناولت الحياة اليومية والهموم الاجتماعية، مستخدمًا لغة محكية قريبة من الناس.
من قصيدة “جسمك عرس” يقول فيها إلياس لحود:
من محفظة لولد وقّع كتاب
تسطّح عظهرو وغاب .. غاب وجاب ..
بتسمحوا نركّب عظهرو مدخني ودولاب
لحظة بتبرمو شفاف الهوا
ولحظة بيبرم فتحتين وباب …
هذه الأبيات تعكس أسلوب لحود في توظيف الصور اليومية بلغة محكية، حيث يستخدم رمزية الكتاب الذي يسقط من محفظة الولد ليبني عليه صورًا شعرية تتنقل بين الواقع والخيال.
إصداراته
شارك في العديد من المؤتمرات الأدبية، والمهرجانات الشعرية. وصدرت له دواوين شعرية منذ مطلع ستينات القرن الماضي اشهرها: على دروب الخريف، السد بنيناه، ركاميات الصديق توما، شمس لبقية السهرة، مراثي بازوليني، سيناريو الأرجوان، قصائد باريس، حديقة روزي.
صدرت له في العام 2012 الأعمال الشعرية الكاملة في أربعة مجلدات عن دار الفارابي في بيروت.

