كلفة النقل تفوق قيمة الدخل.. والمعنيون «يتذاكون» على العمال!

على أبواب الإنتخابات النيابية، وقبل إقرار خطة إقتصادية إصلاحية شاملة بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، تحاول السلطة السياسية في لبنان عبر لجنة المؤشر في وزارة العمل، إمتصاص نقمة العمال في القطاعات الصناعية والتجارية في القطاع الخاص، من خلال زيادة بدلات النقل والوعود بتصحيح الاجور، على غرار ما فعلت مع القطاع العام. إنها سياسة "تركيب الطرابيش" ذاتها التي إنتهجتها في العام 2016، وأدت إلى وقوع الهيكل على رأس الجميع، وهذه المرة السيناريو يتكرر، ولكن تحت أعين صندوق النقد الدولي، الذي لن يصرف للبنان دولارا واحدا إذا لم يتم تنفيذ الاصلاحات.

تروي دانيا عبود (خياطة تعمل في معمل للبياضات في منطقة الحازمية) ل “جنوبية” أنه “عند إرتفاع سعر الدولار في السوق السوداء ل20 ألفا، تمّ إستدعاء العاملين من قبل صاحب المعمل، ليخبرهم بأنه سيتم تغيير عقود عملهم من الدولار إلى الليرة اللبنانية بشكل نهائي، وأن المعمل سيتولى نقلهم من وإلى منازلهم عبر باصات خاصة، توفيرا لبدلات النقل التي عليه دفعها لهم، لكنه في المقابل سيسدد عن العمال قروض الدولار حتى إنتهائها.

تشير دانيا أن جميع العمّال قبلوا بهذا الحل، لأن الاوضاع الاقتصادية والمعيشية لا تسمح بالاعتراض ولتأمين إستمرارية عملهم، لافتة إلى أن زبائن المعمل هم مؤسسات في الخليج العربي وليس السوق اللبناني، ولهذا السبب بقي المعمل مستمرا في الانتاج وتصريف البضائع في كل فترة الازمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ العام 2019 .

إقرأ أيضاً: حراك النبطية يُجدد ثورته ضد «الثنائي»..والغاز «مُحرّم» على البقاعيين!

قصة دنيا تشبه الكثير من قصص العمال في المؤسسات التجارية والمصانع في لبنان، حيث العامل اللبناني يقبل بالقليل شرط أن يستمر في عمله، إذ تشير رشا أيوب ل”جنوبية” أن “صاحب مؤسسة بيع السيراميك التي تعمل فيها عمد إلى زيادة راتبها 500 ألف ليرة في تموز الماضي، حين وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى 20 ألف ليرة، واليوم لا يمكنها أن تطلب المزيد لأنها تعرف أن أرباح مؤسستها تراجع نحو 60 بالمئة، وأن الارباح على متر السيراميك مثلا بات “بالسانت” بينما كان قبل الازمة يصل إلى 5 دولار على الاقل.

مضاعفة الحد الادنى للأجور إلى نحو مليوني ليرة يضاف إليهم بدل النقل

قصة دانيا ورشا، تعكس الدوامة التي يعيش فيها كل من العمل والمؤسسات الصناعية والتجارية والزراعية في لبنان، ناهيك عن باقي المهن الحرة منذ إندلاع الازمة، ومع تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي علت الاصوات في القطاعين العام والخاص، بضرورة تصحيح هذه الاوضاع الشاذة، بما يضمن إستمرارية العمل، وقد عمدت العديد من النقابات إلى إعلان الاضراب المفتوح، من أجل تصحيح الخلل الحاصل.

مقابل هذه الصرخات والمطالبات تجري محاولة من لجنة المؤشر في وزارة العمل لمقاربة هذا “اللغم” بدهاء، خصوصا على أبواب الانتخابات النيابية ولا يمكن للسلطة التي تتحكم بوزارة العمل ولجنة المؤشر أن تستفز الناخبين، لذلك عمدت اللجنة إلى تجزئة هذه المطالب أي البحث في زيادة بدلات النقل في القطاعين العام والخاص اولا ( بعد رفع الدعم عن البنزين) ليكون بمثابة “إبرة بنج” يتخدر فيها العامل والموظف، مع وعد أن يتم البحث في ملف الأجور لاحقا، علما أن هذه الافكار يتم نقاشها ودرسها، من دون أن تقوم حكومة “معا للإنقاذ” بأي خطوة إقتصادية إصلاحية إلى الآن، ولم يتم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي حول أيا من الاصلاحات الموعودة.

القرار مشتت في لبنان بين قوى سياسية وهيئات إقتصادية ومصرفية

هذه الحلول المجتزئة كانت محط إعتراض من قبل جمعية الصناعيين اللبنانيين، التي عقدت إجتماعا هذا الاسبوع ناقشت فيه اقتراح لجنة المؤشر، بتقديم “مساعدة اجتماعية” لموظفي القطاع الخاص لدعمهم على مواجهة الوضع الاقتصادي المتأزم، أسوة بموظفي القطاع العام التي تدرس الحكومة الحالية منحهم مساعدة مماثلة”.

وإعتبرت الجمعية في بيان أن “ما هو مطروح في لجنة المؤشر من زيادات للأجور وبدلات النقل والمنح الدراسية، لا يزال استمرارا لسياسة الحلول المجتزأة التي ستؤدي لا محالة الى موجة اضافية من التضخم، تطيح بالمكتسبات الممنوحة، ضاربة بعرض الحائط كل نصائح وتحذيرات الجهات الدولية المانحة التي توصي بعدم مقاربة الموضوع الاجتماعي قبل تقديم خطة متكاملة للتعافي المالي والاقتصادي”، ما يعني أن كباشا يلوح في الافق بين الحكومة من جهة، والقطاع الخاص من جهة أخرى حول كيفية مقاربة هذه الملف الحيوي.

وأمام هذا التباين الحاصل بين لجنة المؤشر والقطاع الخاص يشرح رئيس المجلس الاجتماعي- الاقتصادي شارل عربيد ل”جنوبية”، أن “تصحيح الأجور بات ضرورة في لبنان لأنه لن يكون هناك اي إستهلاك إذا لم يحصل تصحيح أجور”، لافتا إلى أن “المشكلة المباشرة هي بدل النقل، وقد حصل تفاهم حوله سواء في القطاع العام أو الخاص، ومن المفروض أن يكون 60 ألف ليرة في اليوم، على أساس سعر النفط العالمي المسجل حاليا وسعر صفيحة البنزين المسجلة حاليا في لبنان، وحين تحدث تغييرات كبيرة في هذه الاسعار عندها لكل حادث حديث”.

تعدد أسعار الدولار هي السبب في الخراب الاقتصادي

يضيف:”أما في ما يتعلق بتصحيح الاجور، فأنا من الداعين إلى التفاهمات المرنة بين أرباب العمل والعمال، بمعنى أن هناك مؤسسات تجارية وصناعية، يسمح لها مدخولها المادي بزيادة الاجور لعمالها، لذلك عليها أن تقوم بهذه الخطوة”، مؤكدا أن “العديد من المؤسسات بادرت إلى هذا الامر من دون إنتظار لجنة المؤشر أو وزارة العمل، وفي المقابل هناك مؤسسات تجارية وصناعية مدخولها المادي لا يسمح بهذه الزيادة(أصحاب الكاليري ومصانع المفروشات مثلا والتي تشهد كسادا كبيرا بسبب الازمة)، وبالتالي لا يمكن تحميلها فوق طاقتها”.

ويشدد على أن “المطلوب تصحيح الحد الادنى للأجور، وقد إقترحت أن يتم مضاعفته وفقا لسعر 3900 بالاضافة إلى بدلات النقل، ليصبح الحد الادنى للأجور نحو 1750 ألف ليرة أو مليوني ليرة يضاف إليهم بدل النقل”، لافتا إلى أن “القرار هو لأصحاب العمل ولجنة المؤشر، وكل ما يتم طرحه هو خلاصة تفاهمات ولقاءات سابقة، ولم يتم التوصل إلى قرارات نهائية بعد بل تم الاتفاق على موضوع النقل، بحيث سيعتمد القطاع الخاص بدل النقل الذي ستقره الحكومة للقطاع العام (60 و65 ألف ليرة يوميا)”.

يؤيد عربيد” إقتراح جمعية الصناعيين أن أي زيادة للأجور يجب أن تترافق مع خطة إصلاحية، والعمل على زيادة النمو وخطة نهوض كاملة”، لكنه في المقابل يرى أنه “يجب أن يحصل إجراء سريع من أجل إستمرارية وديمومة العمل والمساعدة في الشق المعيشي للمواطنين وفي تقديري الخاص يمكن تطبيق هذه الزيادة بحسب ظروف المؤسسات ولذلك ندعو إلى التفاهمات المرنة”.

على ضفة الخبراء الاقتصاديين يرى وزير المال الاسبق جورج قرم ل”جنوبية” أنه “من الافضل أن يكون هناك خطة إقتصادية شاملة، تترافق مع زيادة أو تصحيح الاجور سواء للقطاع العام أو الخاص، من أجل النهوض بالبلد إقتصاديا وإجتماعيا”، لافتا إلى أن “حكومة الرئيس حسان دياب وضعت خطة متكاملة بالتعاون مع المدير العام السابق لوزارة المالية آلان بيفاني، وصندوق النقد الدولي وكانت جدية وفرصة إنقاذية حقيقية للبنان لو تّم تطبيقها، وإنما كما كل شيء في لبنان، تطرأ بعض الأحداث الجديدة، وتمحي الجهود التي بذلت سابقا حتى و لو كانت خطط نهضوية”.

ويشير إلى أن “هذا الامر لم يحصل بسبب غياب القرار السياسي الموحد، وللأسف القرار مشتت في لبنان بين قوى سياسية وهيئات إقتصادية ومصرفية، وكلها تحول دون السير بأي خطوة إنقاذية حقيقية”.

ويختم:”لا شك ان تعدد أسعار الدولار التي أرساها البنك المركزي منذ بداية الازمة، هي السبب في الخراب الاقتصادي الذي نشهده الان والتدمير سيستمر، ولا حل إلا من خلال توحيد أسعار الصرف”.

السابق
دورٌ لـ«حزب الله» تحت عباءة الحكومة.. ريفي يدعو ميقاتي للاستقالة!
التالي
أكثر من 700 إصابة بكورونا في لبنان.. ماذا عن الوفيّات؟