"أؤمن ان خطة انهاء الوجود المسيحي في الشرق هي قرار مُتخذ"، يقولها وفي نبرة صوته قلق واضح على المستقبل الغامض وعتب اكبر على القيادات المارونية تحديدا التي لم تتخذ حتى اللحظة موقفا شجاعا لتحصيل حقوق المسيحيين، معتبرا ان قانون الانتخاب الذي لا يؤمن للمسيحيين صحة التمثيل الحقيقي ستكون نتائجه على مسيحيي لبنان اخطر بكثير من تهجير شرق صيدا والجبل واخطر من تفجير المنطقة الشرقية، متوعدا بفضح المستور قريبا. هذه الهواجس وسواها حملتها "صدى البلد" الى نائب رئيس مجلس النواب السابق ايلي الفرزلي الذي خصّها بهذا الحديث.
عاد المسلسل الامني مجددا عبر البوابة الشمالية في ظل الاحتقان المذهبي الكبير الذي يشهده الشارع، من يتحمّل مسؤولية التوتير في البلد وهل تتخوفون خضة امنية كبيرة في البلد؟
وَهْمٌ الاعتقاد ان احداث بهذا الحجم تجري في سورية وان يبقى لبنان بمنأى حقيقي وكامل عن هذا الواقع، فالتاريخ علّمنا ان سورية جزء من الوفاق الوطني اللبناني، والدليل على ذلك ان وثيقة الوفاق الوطني تضمنت بنداً يتعلق بالعلاقات اللبنانية – السورية. الا ان السؤال الكبير الذي يُطرح، هو مدى قابلية اللبنانيين لتلقف هذه الاحداث والتفاعل معها او قابليتهم ان يكونوا جزءا من مخطط الاحداث في سورية؟ وهل سيتم الالتزام او عدم الالتزام بما ارساه حكماء لبنان ليلة 1943 برفضهم ان يكون لبنان مقرا او ممرا، او كما عبّر عنه البطريرك الراعي لاحقا برفضه ان يكون لبنان مقرا او ممرا لعوامل عدم الاستقرار في الداخل العربي او العكس.
الا ان واقع الامر ان الحكومة اللبنانية التي ادّعت النأي بالنفس، نأت بنفسها كلاميا وبالمحافل الرسمية لكي تحول دون مواقف تنفّذ مضمون وثيقة الوفاق الوطني التي تتعلق بالعلاقات المميزة بين لبنان وسورية. وهذا النأي بالنفس كنا ننظر اليه برحابة صدر وايجابية لو انه شمل الواقع اللبناني برمته، واستطاعت الحكومة لا ان تنأى بذاتها وببعض أشخاصها فقط، بل ان تحتوي الوضع اللبناني كله وتنأى بكليّتها، كما قال نجيب ميقاتي بعد احداث طرابلس الاولى حين أتى مذعورا ليقول "الآن يجب ان ننأى بأنفسنا بكليتنا"، فأين كان النأي بالنفس بالكلية عندما بدأت الاحداث في سورية؟. وعندما استنفر الغرب بعد اغتيال اللواء وسام الحسن واتى الى لبنان ليؤكد على الاستقرار ودعم الحكومة، وكان قد سبقه بأشهر وقبل استشهاد وسام الحسن في مجلس الامن جيفري فيلتمان الذي اعلن ضرورة دعم الحكومة، بعد الاتفاق بين الروس والاميركيين وترجمته في مؤتمر جنيف الذي كان من نتائجه إرسال الاخضر الابراهيمي ولو متأخرا، لانهم يريدون حماية مهمة الابراهيمي. لذلك انا اعتقد انه امر طبيعي ان ترمي الازمة السورية بثقلها على الداخل اللبناني ذهابا وايابا، ولكن على اللبنانيين ان يحاولوا قدر الامكان النأي بالنفس كي يحولوا دون التورط الكبير ويؤمّنوا حدا ادنى من المناعة الذاتية عبر التحاور والائتلاف ولو الكُرهي حتى تتم التسويات الكبرى في المنطقة، فينتظرون هذه التسويات في الصالون لا في القبو او القبر.
هل يمكن المراهنة على خلق فجوة في جدار القطيعة التي يشهدها البلد في الامد القريب في ظل موقف 14 آذار ومقاطعتها للحكومة؟
14 آذار مدركة ان المنطقة تشهد تطورات ستؤدي في نهاية الامر الى استدارة دولية معينة، لان الساحة السورية واللبنانية هي ساحة طبخ الواقع الاقليمي والدولي، ويعرفون انهم دخلوا مرحلة الاستدارات الكبرى خصوصا بعد الانتخابات الاميركية، الا ان ذلك ستكون له تداعيات سلبية عليهم. فارتأوا ان يرفعوا وتيرة الضغط عبر هذه القطيعة الكبيرة بسقفها العالي عسى ولعل ان يقبضوا اثمانها الآن في ظل الغموض والالتباس حول هذه الاستدارة الدولية ونتائجها.
وبالتالي هل تشكيل حكومة جديدة امر ممكن الآن؟
امكانية تشكيل حكومة جديدة الآن غير ظاهرة في الافق، لذلك ما يقوم به وليد بك جنبلاط من خلال مبادرته لاملاء الوقت الضائع هو امر جيد، لانه يخشى ان يحدث خطأ ما يؤدي الى انهيار كبير قد تدفع طائفته وما يمثّل نتيجة له اثمانا كبيرة، باعتبار انها بالجغرافيا تقع بين الطرفين. لذلك هو يقوم بدور جيد في هذا المجال وانا اؤيد هذا الحراك ومضمونه بنية تنفيس الاحتقان قدر الامكان.
هل تعتقدون ان عودة 14 آذار الى المشاركة في جلسات اللجان النيابية ستنتج صيغة توافقية لقانون الانتخاب ام اننا سنعود الى قانون الستين؟
قانون 1960 بات يشكل اجحافا هائلا واعتداء صارخا بحق الجماعة المسيحية في لبنان، فهناك 35 نائبا مسيحيا يُستولدون في كنف الكيانات المذهبية. فلبنان كيانات مذهبية وكل كيان له حدوده واعلامه وماليته ومؤسساته وثقافته وطقوسه وعلاقاته بالخارج وعلاقة الخارج به، وكل كيان من هذه الكيانات ينتج نوابه بنسبة مئة في المئة باستثناء الواقع المسيحي الذي يشهد "تفليسة" سياسية توزّع الذمم النيابية على هذه الكيانات. واما الاخطرفهو اصطفاف المنطقة وصراع المنطقة بين ما يسمى سني – شيعي، لا يدور بين السنة والشيعة انتخابيا انما يدور على الارض المسيحية، وعملية السطو هذه لا يجوز ان تستمر. ومن هنا ينبع موقف المطارنة الموارنة والبطريرك الراعي القاسي لضرورة تغيير قانون الستين، وهذا امر يجب ان يؤخذ في الاعتبار لان لا استقرار بدونه.
يتساءل بعض الافرقاء لماذا كل هذا التهويل على قانون الستين والذي تم اعتماده في الدوحة واعتبر حينها انتصارا، ما تعليقكم؟
نعم كان انتصارا، فقانون الستين لا شك انه ضرب قانون الـ 2000 وحرّر ما بين 15 و 20 نائبا. الا ان هذا المنطق الذي يُستخدم هو مبرّر لبعض القيادات المارونية التي تريد ان تلتفّ لاسباب مصلحية وذاتية وشخصية ولا اقول ان عندها وظيفة انهاء الدور المسيحي في لبنان. والسؤال المطروح، هل دائما القيادة بريئة تستطيع ان تدّعي الجهل او عدم المعرفة والوقوع تحت الاغراء والوعود بالمناصب العليا، ام هناك احتمال انها تؤدي وظيفة ما ومجنّدة لدى جهاز استخبارات دولية؟. وانا اؤمن ان خطة انهاء الوجود المسيحي في الشرق هي قرار مُتخذ وخلفه دوائر صهيونية. وخير دليل على ذلك الاقباط في مصر وعملية احباطهم، واستنزاف لا بل انتهاء الوجود المسيحي في العراق، ومسيحيو فلسطين الذين كانوا اول من تعرضوا للتهجير وباشراف الصهيونية ومعرفة الغرب وتراجع عددهم من 22 في المئة الى 2 في المئة، والآن مسيحيو سورية الذين يتعرضون لحملة استنزاف واستهداف ضخمة كما يحصل في حمص وحلب حيث دُمّر حي الكنائس بالكامل. واليوم في لبنان قانون الانتخاب هو اخطر من تهجير شرق صيدا وتهجير الجبل واخطر من المقاطعة التي اخرجت المسيحيين واخطر من تفجير المنطقة الشرقية، التي بدورها تركت اثرا كبيرا على المسيحيين، فهل يأتي قانون الانتخابات ليكون الباب لاعلان انتهاء دور المسيحيين، لان مبرر وجود المسيحي في لبنان هو دوره وعندما يسقط هذا الدور يفقد هذا المبرر لوجوده. فالمؤامرة على الوجود المسيحي اليوم هي عبر قانون الانتخاب، وانا لا احمّل المسلمين والزعامات الاسلامية المسؤولية، فعلى القيادات المسيحية اعلان وحدتها اولا ومن ثم مخاطبة الآخر لمطالبته باستعادة حقها. وبالتالي اية وظيفة معطاة لقيادي ماروني ما او لقيادات مارونية ما، لا ادري، لان خلاصة المعركة تبيّن من هي الزعامات السياسية المارونية التي تتآمر على الوجود المسيحي في لبنان عبر قانون انتخاب يؤكد الاحباط المسيحي والتهميش والاستسلام والاستتباع والغاء هذا الوجود.
ولكن في هذا المجال كيف تعلّقون على هذا التردد في موقف بكركي فبعد رمي الحرم الكنسي على قانون الستين بدأنا نلاحظ على ما يبدو اعادة قراءة للموقف من هذا القانون؟
هذا استغلال إعلامي غير مبرّر، فمجلس المطارنة الموارنة اتخذ موقفا ببيان رسمي والبطريرك كرّره عدة مرات. واثناء تواجد البطريرك الراعي في الفاتيكان انوجدت مراجع تقول له "لا نريدك ان تكون حجة لتأجيل الانتخابات"، فبعد عودته أكد من المطار على ضرورة سقوط قانون الستين واجراء الانتخابات في موعدها، وانسجاما مع هذا الموقف المبدئي، عاد وفي عظته يوم الاحد التي تلت مباشرة مجيئه اعلن "نرفض رفضا قاطعا قانون الستين". والبطريرك تجنّب كلمة "حرم" غير الموجودة في ادبياتنا الكنسية، وبعدما خرجت في الاعلام حاول ان يوضّح الصورة، فالحرم يعني مقاطعة الانتخابات وقيادة حالة تمرّد ضد الدولة وهذا ليس بمنطق بكركي. اما ما عدا ذلك فهو متمسك اكثر بموقفه اليوم.
عاد طرح اللقاء الارثوذكسي الى الواجهة مجددا في ظل الرد والرد المضاد بين جعجع وعون، فهل توافقت القيادات المسيحية فعلا على القانون الارثوذكسي؟ ولماذا عادت وتراجعت؟
لم تتراجع، وما تم هو تخل مقصود ومتعمّد وهناك تساؤلات كبيرة بعدما صدر بيان وكان المبادر فيه سمير جعجع، ففي اجتماع بكركي الاول وقف الدكتور جعجع وقال بالفم الملآن "نحن لا نستطيع ان نخرج من تحت سقف اقتراح اللقاء الارثوذكسي وهذا موضوع مهم ويخدم مصالح اللبنانيين ومع احترامي لحلفائنا المسلمين يجب ان يخففوا شراهيتهم ويرفعوا يدهم عن الطوائف المسيحية وعلى كل واحد منا ان يعمل مع حليفه". كما خرج بيان يقول "نؤكد المناصفة الفعلية على حسن التمثيل، تتألف لجنة من اجل اجراء الاتصالات ويعتبر اقتراح اللقاء الارثوذكسي اساس النقاش". وكان جعجع المتحمّس والعماد عون وسليمان فرنجية اقل منه حماسة، ولكن خرج جعجع وذهب الى السعودية، وبعد عودته قال "فلنضع هذا القانون على الرف". في حين ان العماد عون كما يعرب في مواقفه فانه مستعد ويتكفل بحلفائه، ودعا جعجع للنزول الى مجلس النواب واقرار القانون الارثوذكسي وبالتالي يكون الـ 64 نائبا قد ضُمنوا بما ان الرئيس امين الجميل وسليمان فرنجية لا يرفضان.
وبالتالي هل تحمّل سمير جعجع مسؤولية نسف اقتراح اللقاء الارثوذكسي؟
من المبكر ان اخرج بهذه الخلاصة، ولكن عندما تنتهي الامور فان التقييم سيكون دقيقا وموضوعيا ووجدانيا وصارما جدا.
هل هناك محاضر في اجتماعات لجنة بكركي تفصل بين القيادات التي تنكر ان اي اتفاق قد حصل؟
الكلام قيل امام جميع المطارنة والسياسيين الحاضرين واذا الكلام غير صحيح فلينكروا. وسأثبت بقوة المنطق والاستنتاج ان القيادي الماروني الذي لا يقف ويعمل من اجل تأمين المسيحيين لحقوقهم، هو مكلّف بدور وظيفة استخبارية كبيرة تنفيذا لمخطط الغاء الوجود المسيحي، وأتحدّى أي قيادة سياسية مارونية بهذا المنطق الذي سأطرحه. وهذه القيادات خطيرة على المسيحيين اذا لم تقد معركة الدفاع عن حقوق المسيحيين في لبنان.
هل تأجيل الانتخابات امر وارد؟
بين تأجيل الانتخابات او اجرائها على اساس الستين كما يتشدقون تحت عنوان انهم ديمقراطيون ويريدون التمسك بالمواقيت الدستورية، وتكريس وتشريع استتباع الدور المسيحي في لبنان واسقاطه في لبنان وانهاء الوجود المسيحي في لبنان والتآمر عليه، افضّل عدم اجرائها.

