فضل الله:لمنع انزلاق البلد إلى أتون الصراع الداخلي

ألقى العلامة السيد علي فضل الله، خطبتي صلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:"عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، التقوى التي تجعلكم تقفون عند حدود الله، لا تقدمون رجلا ولا تؤخرون أخرى، لا تطلقون كلمة، لا تتخذون قرارا، لا تؤيدون، لا تعارضون، لا ترفضون، حتى تطمئنوا إلى أن ربكم رب العزة هو راض عما تقومون به. إن التقوى أن تلتزموا الحق حتى لو كان الحق على حسابكم وحساب مصالحكم".

اضاف: "لم تكن معركة الأحزاب أو الخندق التي استهدفت المسلمين يتيمة في التاريخ، فقد حصل مثلها في أكثر من محطة زمنية، وهي قابلة لأن تحصل في كل وقت يرى المستكبرون والطغاة والظالمون والمنحرفون الخطورة من أي موقع يتحدى استكبارهم وجبروتهم وظلمهم وطغيانهم، سواء أكان هذا الموقع دينيا أم دولة أم تنظيما، فإنك سترى هؤلاء يتوحدون ويتجاوز كل حساباته الخاصة وعصبياته وحساسياته، كما توحدت قبائل العرب ضد الإسلام في معركة الخندق. نعم، قد تختلف عناوين التوحد حسب نوعية المواجهة، فقد يتوحدون عسكريا للضغط العسكري، وقد يتوحدون اقتصاديا للضغط الاقتصادي، وعلى الأرصدة المالية، وقد يتوحدون سياسيا لممارسة الضغط السياسي، وقد يتوحدون إعلاميا، بحيث يوجهون كل إعلامهم لتشويه صورة هذا النظام أو ذاك التنظيم أو الدين أو رموزه، أليس هذا ما نواجهه الآن في الحروب العالمية التي يشهدها العالم في وجه كل الذين يريدون أن يكونوا أحرارا أمام هيمنة قوى الاستكبار، يقفون في وجه احتلالهم أو مصادرة ثرواتهم، أو في مواجهة العدو الصهيوني، والأمثلة كثيرة".

وتابع: "إننا ونحن نستعيد هذه المعركة، علينا أن نعيش كل معانيها، نحن بحاجة إلى أمثال سلمان الفارسي، يقدمون أفكارا جديدة واعية تمنع تقدم الكفر والظلم والطغيان، والذين يريدون اختراق ساحاتنا، بحاجة إلى الشجعان أمثال علي، الذين لا يهابون الموت ولا يسقطون أمام ترهيب الأعداء بقوتهم وجبروتهم وغطرستهم، الذين يحملون الإيمان كله في مواجهة الشرك كله، نحن بحاجة إلى أن نكون جديرين بتسديد الله لنا، الذي لن يساعدنا إلا إذا رأى منا صدق النية والتخطيط، وقد أدينا مسؤوليتنا. لنتعلم من معركة الأحزاب أننا لسنا ضعفاء إن لم نضعف أنفسنا، إن قررنا أن نكون أقوياء وخططنا وصبرنا وثبتنا، فسنكون عند ذلك جديرين بقوله تعالى: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} و{من يتوكل على الله فهو حسبه}".

اضاف فضل الله :"لا نزال نواجه في العالم العربي والإسلامي حربا عالمية، هي "حرب الفتنة" الفتن المذهبية والطائفية والسياسية، وعلى كل الصعد، الفتن التي تسخر لأجلها وسائل الإعلام وأبواق سياسية وطائفية، هذه الفتن التي يراد لها أن تستنزف واقعنا وتبدد ثرواتنا وتبعدنا عن مواجهة الخطر الحقيقي الذي يتهددنا في أرضنا ومقدساتنا وفي مستقبلنا من العدو الصهيوني. هم يرون أن الفتن هي السلاح الأمضى لإشغالنا في حروب المئة العام، كما يتحدثون عن حرب السنة والشيعة.لقد أصبح هذا الواقع هو سمة المرحلة، وصار من الطبيعي التداول حول حتمية تحول الصراعات القائمة التي تعصف بأكثر من موقع في العالم العربي والإسلامي، إلى كانتون طائفي هنا ومذهبي هناك وعشائري وعائلي، وإلى ما هنالك من تفتيت وتجزئة، يسهل على الكيان الصهيوني التعايش معه. إن كل هذا الواقع يستدعي استنفارا للحؤول دون هذه الكارثة التي تتجاوز سايكس بيكو إلى ما هو أسوأ بكثير، استنفارا من الواعين، من العلماء والمثقفين والمسؤولين وكل الحريصين على هذه الأمة، أن يؤكدوا على ما يجمع ولا يفرق، أن يعمقوا الوحدة في النفوس، أن يحببوها إلى نفوس الناس. ومن هنا، فإننا وقفنا مع كل دعوات الحوار، وسنبقى نقف رغم كل الجراح، مع هذه الدعوات، ولذلك وقفنا مع المبادرة التي أطلقت أخيرا في خلال قمة التعاون الإسلامي في مكة، والتي دعت إلى تشكيل مركز لحوار جاد بين المذاهب الإسلامية، والوقوف في وجه كل دعوات التعصب والتكفير وشهر السلاح، من الذين باتوا مصدر قلق وتوتر دائم في واقعنا العربي والإسلامي، كما وتطلعنا بإيجابية إلى الحديث عن لجنة اتصال حول الأحداث التي تجري في المنطقة، والتي تضم بلدانا إسلامية فاعلة، مثل مصر وتركيا والسعودية وإيران، تتحرك لإيقاف نزيف الدم العربي والإسلامي، وخصوصا في سوريا".

وقال :"اننا نعتقد أنه بإمكان الدول العربية والإسلامية، ومن خلال مواقع التأثير التي تملكها أن تهيئ سبل مناخات تنقل سوريا إلى ساحة التهدئة والحوار، وتضمن استعادة دورها الريادي على مستوى المنطقة وفي مواجهة كل المشاريع الاستكبارية وتأمين مصالح الشعب السوري التواق إلى الحرية والعدالة، وإخراج هذا البلد من اللعبة الدولية التي لا تريد خيرا لا لسوريا ولا للعالم العربي والإسلامي، بل لمصالحها الحيوية وعلى رأسها الكيان الصهيوني، ولمنع تحول هذا البلد إلى ساحة استنزاف لا يعرف مداها".

ودعا إلى "الإسراع في ممارسة الجهود الجدية والحثيثة للحؤول دون استمرار الدم النازف، ولمنع تداعيات ما يجري في سوريا على أكثر من بلد، ولا سيما أن بعض شظاياها لن تقف عند حدود هذا البلد العزيز، بل ستصيب أكثر من موقع في المنطقة، ولا سيما لبنان، هذا البلد الذي نخشى أن يكون وضعه قد ارتبط بما يجري في سوريا، بعدما لم تنجح سياسة النأي بالنفس في جعل اللبنانيين والسياسيين ينأون بأنفسهم عما يجري حولهم، حيث بتنا نجد اللبنانيين ما بين متفاعل إلى الحد الأقصى مع ما يجري في سوريا، وبين من ينتظر تطورات الأحداث ليحدد موقعه من الواقع السياسي الداخلي وغير الداخلي، وبين من يراد إدخاله قسرا إلى ساحة الأزمة من خلال ما جرى من عمليات خطف للبنانيين في سوريا.إن هذا الواقع الذي بتنا نجد مظاهره فيما جرى ويجري في طرابلس، حيث تسقط الأرواح البريئة هناك وتدمر البيوت، وفي الاحتقان السياسي والطائفي والمذهبي، وحتى الحكومي وفي مواقع الدولة.إن كل هذا يستدعي العمل من قبل كل القيادات الواعية لمنع انزلاق هذا البلد إلى أتون الصراع الداخلي، ولا سيما في ظل الحديث المتكرر من أكثر من موقع دولي عن الخوف على لبنان من دخوله في أتون الفتنة وانعكاس ما يجري في سوريا عليه، وقد يكون هناك من يخطط لذلك".

وطالب ب"حوار جاد بين اللبنانيين عنوانه كيفية وقاية هذا البلد مما يجري وكل تداعياته في الحاضر والمستقبل، إذ يكفي هذا البلد مشاكله الاجتماعية والاقتصادية التي لا تجد لها حلولا، وتهديدات العدو الصهيوني. وهنا نقول كما قلنا سابقا، من حق اللبنانيين أن يكون لكل فريق رأيه فيما يجري في هذا البلد أو ذاك، ومن الطبيعي أن يكون لكل موقفه إزاء ما يجري، ولكن لا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى إرباك الداخل اللبناني وتفجيره. إن إرباك لبنان لن يفيد شعب سوريا الجريح ولا الشعب اللبناني الذي إذا فقد مواقع الأمن واستقراره الداخلي فلن يكون بمقدوره القيام بواجبه الأخوي تجاه تضميد جراح الأهل في سوريا، وسيكون جرحا مفتوحا إضافيا قد يكون من الصعب تضميده في الظروف الحالية.ومن هنا فإننا ندعو جميع الأفرقاء المؤثرين في طرابلس، والدولة تحديدا، إلى تحمل مسؤوليتهم في الوقوف بوجه كل العابثين بأمن الناس، وإعطاء الجيش اللبناني القرار السياسي الواضح والحرية ليقوم بواجباته، لا أن يكون مكسر عصا لهذا الفريق أو ذاك كما يراد له أن يتحول، أو أن يقع ضحية التجاذبات في مواقع القرار في هذا البلد.كما وندعو سريعا إلى معالجة قضية المخطوفين، كل المخطوفين، مع وعينا لتعقيداتها، لا سيما أن هذا الأمر باتت تداعياته واضحة، فهي لا تقف على المخطوفين وأهلهم وعائلاتهم، وهي كثيرة، بل تمتد إلى إرباك داخلي وخارجي".

وختم فضل الله "اننا نقدر الجهود التي تبذل من قبل الدولة وكل الساعين لحل هذا الملف والوصول به إلى شاطئ الأمان، لكننا نعتقد أن الحاجة ماسة إلى جهد إضافي.
إن لبنان المهتز في هيبة الدولة وفي علاقات مكوناته المتعددة بعضها ببعض، هو في أمس الحاجة للتماسك والحوار والتواصل، وهذه مسؤولية تقع على عاتق المسؤولين داخل الحكومة وخارجها، ذلك أن عليهم ألا يفرطوا في الحوار وفي جمع الشمل، وهي تقع أيضا على عاتق كل لبناني حريص على وطنه، فضلا عن المرجعيات الروحية والاجتماعية أيضا.أيها اللبنانيون، المؤمن المؤمن هو الذي لا يلدغ من جحر مرتين، فلا نلدغ مجددا من جحر الحروب الداخلية والفتن الطائفية والمذهبية بعدما لدغنا تكرارا. لقد جربناها طويلا، وكانت النتيجة دمارا وخرابا، وعدنا إلى طاولة الحوار، فلنوفر كل هذا الجهد ونجلس إلى الطاولة التي لا ينبغي أن تخيف أحدا في الداخل، بل أن تكون نافذة مفتوحة للحل والخلاص".  

السابق
من ميشال سماحة إلى آل المقداد… والمثال كترمايا – سامر فرنجية
التالي
فليتشر:قلقون من تصدير النظام السوري بعضا من أزمته الى دول الجوار