الحرب الدموية انتهت وانطفأت الشرارة التي أشعلت فتيل المدافع والبنادق أما مجرموا الحرب الذين كانوا وراء المجازر الانسانية خلعوا جميعا دون استثناء زي الميلشيات وارتدوا البذات الرسمية. لكن الحرب التي انتهت في الساحات ظلت ذكرياتها وأشباحها تحوم فوق الوطن المدمّر، وتنخر عميقاً صيغة العيش المشترك فيه.
اقرأ أيضاً: «القاع» في مرمى الإرهاب ومخاوف من استهداف العمق اللبناني
واحدٌ وأربعون سنة علّها كانت كفيلة بتلميع صورتهم في أذهان اللبنانيين، بعدما اختفت المظاهر المسلحة وجردت ميليشيات الحرب من سلاحها باستثناء سلاح حزب الله الذي أخذ شرعيته من الاحتلال الاسرائيلي وأخذ يبتعد باهدافه ليصبح عابرا للحدود.
ممارسات الميليشيات المسلحة والسلاح الغير شرعي عانى منها لبنان، هي وراء من يطالب من اللبنانيين بحصرية السلاح في ان يكون بيد الجيش والأمن اللبناني الشرعي دون غيره.
أمس ومع سوداوية المشهد والواقع القلق الذي حاصر بلدة القاع في ظل الهجمات الانغماسية الاجرامية الدامية للتكفيريين، عاش الأهالي وعموم اللبنانيين يوماً إرهابياً طويلاً ارتفع معه منسوب الخوف من استهداف الاستقرار اللبناني. لكن ما زاد سوداوية المشهد انتشار بعض الاهالي في ساحة البلدة إلى جانب الجيش اللبناني حاملين السلاح من بينهم شبان مدنيين ونساء أبدين رغبتهن في الدفاع عن الارض والوجود جلن بأسلحتهن الى جانب رجال البلدة للحراسة.

ومع أن الامر لم يطل بعدما منع الجيش مظاهر السلاح العلني في محاولة لضبط الامر واخراجه من الطابع الاستعراضي، ذكّرت صور الرجال والنساء في “الخمسينات” من العمر الممتشقين سلاحهم، بجيل الحرب الأهلية الذي على ما يبدو لم يخرج بعد من عقلية الإقتتال ولم يتعظ من الحقبة التاريخية التي ما زالت محفورة بعقول اللبنانيين، وما زالت مآسيها من شهداء وجرحى ومفقودين وتهجير حتى يومنا هذا، في وقت كان جيل جديد يبصر النور، على وقع عملية إعادة إعمار كبرى، وأيضا على وقع هواجس كبرى كانت تعتمر في صدور الذين شاركوا في الحرب لأسباب وأهداف لم يبق منها شيء بعد 15 عاما من الاحتراب.
هذه الصور التي وثقت المظاهر المسلحة سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم في وسائل التواصل، منهم من حيّا هؤلاء ومنهم من دان الاستعراض المسلح والفلتان الأمني، لكن المفارقة أن من بين هؤلاء الذي حيوا المسلحين هم أنفسهم من يطالبون مرار وتكرارا بضرورة بسط هيبة الدولة وسحب السلاح الغير الشرعي، والآن عندما جوبهوا بخطر الارهاب شهدنا عراضات مسلحة كان بطلها النائب عن كتلة القوات اللبنانية أنطوان زهرا الذي توسط مسلحين من قدامى القوات بعتاده العسكري لمواجهة خطر الارهاب علما أن الجيش اللبناني كان حاضرا وبقوة في الميدان، زهرا عاد وأوضح بعد زوبعة حضوره المسلح “كلنا بخدمة الجيش وأؤكد ان الهدف ليس الخروج عن طوع الدولة انما مساعدتها لحماية المنطقة”.
اقرأ أيضاً: بعد تفجيرات القاع: كيف حمى حزب الله لبنان من الإرهاب؟!
لكن، هذه العراضة المسلحة ولو كانت في سبيل الدفاع عن الأرض بوجه الارهابيين وبهدف مساندة الجيش، ماذا تخدم سوى منطق اللادولة والسلطة المهمشة والعاجزة عن تطبيق القوانين جراء تفلت السلاح ومصادرة قرار الحرب من الجيش ليصبح بيد قوى الأمر الواقع؟

