الأمين:شؤون جنوبية خلقت مناخات للتواصل في جنوب لبنان

مجلة “شؤون جنوبية” أسسها الصحافي السيّد علي الأمين مع زميله الإعلامي الحاج قاسم قصير عام 2002. إحتفلت المجلة مؤخراً بالذكرى العاشرة لانطلاقتها بعدما أثبتت حضورها في الساحة الجنوبية اللبنانية، كمنبر سياسي واجتماعي وإنمائي. لهذه المناسبة إرتأت وكالة “شفقنا” إجراء حوار مع رئيس تحريرها السيّد علي الأمين حول أهداف المجلة وإنجازاتها والواقع الجنوبي والإسلامي الشيعي في لبنان. علي الأمين صحافي وكاتب لبناني معروف، نشأ في بيئة دينية إسلامية، وهو إبن عائلة الأمين الدينية العريقة في بلدة شقرا العاملية في جنوب لبنان. والده سماحة العلامة القاضي السيّد محمد حسن الأمين، وهو عالم وأديب وناشط سياسي واجتماعي معروف، وجدّه المرحوم العلامة السيد علي مهدي الأمين، عالم وشاعر وأديب. تميّز علي الأمين بجرأته وصراحته ومخالفته للتيار السائد..

– أستاذ علي الأمين، لو تعرّفونا على مجلة “شؤون جنوبية” التي تتولّى رئاسة تحريرها، متى انطلقت وما هي أهدافها؟
شؤون جنوبية” هي مجلة تصدر شهرياً، إنطلقت عام 2002 حيث صدر العدد الأول في شهر كانون الثاني/ يناير. وهي مجلة مناطقية تعنى بمنطقة جنوب لبنان وهذا شكل من أشكال العمل الصحافي الموجود في لبنان. وكان مفتقداً في جنوب لبنان لأسباب ربما تعود إلى الظروف السياسية والإجتماعية والأوضاع الأمنية التي مرّ بها الجنوب بسبب التهجير. المجلة إنطلقت بتوقيت بعد تحرير جنوب لبنان إذ كان الهدف الأساسي منها هو الشعور بأن هذه المنطقة بحاجة إلى حركة تنموية استثنائية في ما يتصل بأكثر من عنوان، سواء على المستوى الإقتصادي والإجتماعي أو حتى على مستوى العلاقات بين الناس. فكما نعرف أن هناك جزءاً من الجنوب بقي محتلاً طيلة فترة 22 عاماً من العام 1978 حتى العام 2000، وهذا الجزء كان مفصولاً بشكل شبه كامل عن بقية الوطن. وبالتالي ربما كانت البيئة الإجتماعية الموجودة قد شعرت بشيء من الغربة مع بقية الوطن. وفي الوقت ذاته كان الجزء الآخر من الوطن يتعرّف إلى منطقة جديدة من لبنان وهناك الكثير من الأجيال لا تعرف هذه المناطق. فكان الهدف من المجلة تسليط الضوء على هذه المنطقة وخلق نوع من التواصل والتفاعل بين فئات المجتمع الجنوبي تحديداً، وأيضاً تسليط الضوء على التفاصيل الإجتماعية والإقتصادية للمنطقة للآخرين. فانطلقت المجلة في هذه الفترة لتجيب عن أسئلة تتعلق بالجوانب الإجتماعية والإقتصادية وحتى الثقافية، ولعبت دوراً إلى حد ما في الإطلالة حيث خلقت مناخات من التواصل بين الكثير من البيئات الجنوبية والتعريف على هذه البيئات في ما بينها. وبالتالي حاولت أن تكون مساحة حرة ونقدية ومساحة للتفاعل بين القراء والمسؤول والمجتمع في ما بينهم، إن كان على مستوى الشباب أو الفئات الإجتماعية المهمشة أو على مستوى المرأة.

– هل تركّزون على الشؤون التنموية أكثر من الشؤون السياسية؟
مجلة “شؤون جنوبية” ليست مجلة سياسية بحسب ترخيصها. ولكن هذا الأمر ملتبس بعض الشيء بمعنى أن الفصل بين السياسي وغير السياسي بات أمراً صعباً. فالحديث التنموي هو حديث في السياسة حتى أن الحديث في الثقافة هو حديث سياسي. هي ليست مجلة سياسية بالمعنى المباشر للكلمة لكن بالمعنى العميق هي سياسية، لكن بكل الأحوال الجانب التنموي هو الأساس في وجهتها، لذلك أولت المجلة موضوع البلديات والمجالس البلدية في الجنوب الإهتمام. لم تهتم المجلة بعملية النشر فقط أو ممارسة مهنة صحافية، بل لعبت دوراً بارزاً في تنشيط المجتمع البلدي والعمل على الأنشطة الميدانية في الكثير من البلدات والقرى. وأبدت إهتماماً أكثر من أية مؤسسة صحافية أخرى، وبالأخص في موضوع مشروع الليطاني، وهو المشروع الأهم في إعادة برمجة الأولويات الإقتصادية والإجتماعية واستنهاض حركة تنموية جدية، فعملت المجلة على تسليط الضوء هذا الموضوع بشكل كثيف وميداني. ودائما ما تحدث هذه المشاريع الكبرى تحوّلات إجتماعية وسياسية.

– برزت المجلة كطرف معارض للواقع السياسي الشيعي، هل هذا صحيح ولماذا؟
الذي يقلّب صفحات المجلة من الصعب أن يرى أن المجلة أخذت خيار المعارضة. فهي أولاً مجلة لا تمثّل حزباً سياسياً وليس لها مشروع سياسي، وبما أنها تهتم بمنطقة جنوب لبنان وبما أن البيئة الأساسية في هذه المنطقة هي بيئة شيعية، فبطبيعة الحال أي كلام نقدي سيحمل وجهين. ولكن إذا كان هناك مكان للسلبيات فاعتبر البعض أنها تقوم بهذا الدور. والمجلة ليست مشروع معارضة ولا يمكن أن تكون مشروع معارضة، إذا لم تستند إلى إطار سياسي ولم تعبّر عن إطار سياسي معارض. ولكن أي روح نقدية دائما يُنظر إليها وكأنها مشروع سياسي. ولكن المجلة تسعى لأن يكون هناك نوع من النقاش والجدل وفتح مناخات حوارية من دون أن تكون متبنّية لرأي محدد دون الآخر. ففي صفحات المجلة هناك إضاءة على كل الإتجاهات لكن الصراعات الساسية وحدّتها ترسّخ من هذا التفكير.

– أين موقع المجلة من الإهتمام بالواقع الديني في جنوب لبنان؟
بالمعنى الديني هناك مستويات مختلفة. فالمجلة عملت بنطاق واسع في كل المراكز الدينية سواء المؤسسات الحديثة (تربوية- إجتماعية – صحية..) أو المساجد والحسينيات، بالإضافة إلى المقامات الدينية. فالمجلة بشكل عام أضاءت على كل هذه الموضوعات. وهذه المراكز لها حيّز من اهتمام الناس من حولها. وهذا بحد ذاته يدفعنا من موقعنا المهني إلى أن نتعامل معها بمعزل أن يكون هناك خلفية دينية. فاهتمامنا لم يكن مختصراً على الجانب الإسلامي والشيعي، لا بل أيضاً طال كل الإتجاهات الإسلامية والمسيحية والمؤسسات المسيحية والإسلامية الشيعية والسنية والدرزية.

– ماذا عن تمويل المجلة؟ يقال إن منظمات أميركية تموّلكم؟
هناك مصادر عدة لتمويل المجلة. فالمجلة في الأساس هي مشروع مكلف ونتعامل معها بمسؤولية. ومشروعها ليس ذا هدف تجاري برغم أهمية هذا الموضوع. وليس هناك شك أن لدينا مساعدات من أكثر من مصدر، وهي مصادر محدودة جداً من كلفة تغطية طباعتها وتوزيعها والعاملين المحدودين فيها. هناك جزء من التمويل يأتي عبر الإشتراكات وجزء آخر من الوقفية الديمقراطية الأميركية(National Endowment for Democracy). وهذا أمر معروف وليس سرّياً، ولكننا لا نأخذ تمويلاً مشروطاً، بمعنى أننا ننشر قناعاتنا الأساسية في أي موضوع من المواضيع. وهذا التمويل لا يلزمنا بشيء ولا يقيّدنا بشيء.

– ألا يؤثر التمويل الأميركي على استقلال سياستكم؟
بناءً على الثوابت، رأينا أن هناك مسألة تنموية أساسية، فمثلاً مسألة مقاومة الإحتلال هي مسألة أساسية، وكذلك مسألة الإضاءة على الجوانب الثقافية – الفكرية – الدينية. كل هذه العوامل ليست فيها خطوط حمراء لكنها من الثوابت والقناعات التي تمثّلنا وتمثّل المزاج العام اللبناني عموماً. بمعنى أنه ليس هناك أي تأثير أو كوابح من التمويل على هذه القناعات ، لذلك دائما ما كانت المجلة مساحة حرة، فالتمويل لم يساهم في تقييد هذا الأمر، فالتمويل بطبيعة الأحوال لا يشكل نسبة 50% من كلفة المشروع.

– تميّزت المجلة بفتح الباب أمام الكثير من الطلاب والخريجين الجدد، حدّثنا عن ذلك، وما هي خلفياته؟
بداية فتحت المجلة باباً للشباب، فالعنصر الشاب هو العنصر الأساسي الذي مرّ على المجلة خلال السنوات العشر الأخيرة. ومنذ أربع سنوات أصدرنا ملحقاً هو ملحق الشباب، والذي كان له هدف أساسي وهو أن يفتح المجال للكثير من الشباب الجدد، كي يجدوا مساحة للتعبير والعمل وفرصة لإثبات جدارتهم في موقع إعلامي وصحافي. وقد نجحت هذه الفكرة في فتح المجال للشباب أن يسوّقوا تجاربتهم ومشاريعهم من دون أن يكون هناك نوع من التأثير المباشر. واستطعنا أن نخرّج عشرات الشباب الذين لهم الآن موقع ودور في الكثير من المؤسسات الصحافية والإعلامية. فنحن نفتخر بهم وهم يفتخرون بهذه التجربة، ما يعطي انطباع بأن هؤلاء الذين خرجوا من هذه المؤسسة هم في مؤسسات إعلامية بارزة. فهو ليس مشروع سياسي بل مشروع يرتكز على كيفية التعبير عن الحرية والتعامل مع الموضوعات بحرية، والشعور بأن الشباب هو الذي يعبّر ولا يتحدث بإسم أحد آخر. فلعبنا دور الناصح بالخبرة التقنية والمهنية والعملية.

– السيّد علي الأمين صحافي اشتهر بمخالفته للواقع السياسي الشيعي في لبنان، هل قصدت تطبيق قاعدة “خالف تعرف” أم ماذا؟
أود أولاً أن أقول أن هذه الصورة ليس ناتجة عن عملي في مجلة “شؤون جنوبية”، فأنا أكتب مقال رأي في صحيفة “البلد” اللبنانية وهي سياسية يومية. هذه الإنتقادات جاءت بسبب كتاباتي في هذه الصحيفة وليس بسبب كتاباتي في “شؤون جنوبية”، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ. فما أكتبه في “البلد” تختلف طبيعته عن الكتابة في مجلة شهرية. أما في ما يتصل بموضوع “خالف تعرف”، فأنا أعتقد أن مسألة ألا يكون هناك إختلاف في الساحة الشيعية خطأ وليس صواباً. فإذا أردنا التحدث عن التشيّع فالفكرة الاولى هي مقولة الإجتهاد والمقصود بها التنوّع، فإذا اعتبرنا الدين هو القواعد والثوابت، ففي الدين هناك اجتهاد، فكيف بنا إذا انطلقنا نحو مساحة أخرى؟ التي هي المسألة السياسية والإجتماعية فحكماً في هذه المسائل التنوّع موجود.. ومن هذه الزاوية أنا أشعر بالمسؤولية لإظهار قناعاتي في هذا الموضوع وأنا لا أتحدث أو أدعي بأني شيعي، يعني أنني أتكلم باسم الشيعة أو أنني أمثل الشيعة أو طرفاً شيعياً ما، بل أنا أتعامل مع نفسي كفرد في واقع معيّن، فأعبّر عن رأيي بهذا الموضوع، فيصنّفني الآخرون بأني شيعي أو لدي وجهة نظر نقدية. وبالتالي أنا أنتمي إلى بيئة شيعية وأواجه قضايا تلك الطائفة. فمثلاً لا أستطيع الكتابة عن منطقة طرابلس مثلما أكتب عن الضاحية الجنوبية، لأن معرفتي بالبيئة المحيطة هي معرفة عميقة وأفهم قضاياها بشكل أوسع. من جهة أخرى مسؤوليتي بالشعور أن الشيعة ليسوا طائفة بالرغم من وجود عقيدة وقناعات يلتقي عليها الناس، لكن في السياسة الأمور مختلفة. وهذا أمر أنتقده في الطوائف الأخرى وليس فقط محصوراً في هذه الطائفة. فأرى أن إظهار هذا التنوّع واجب، ليس واجباً مهنياً أو صحفياً بل واجب عقيدي وديني، وأتمنى أن أُواجَه بهذا الموضوع.

_ ما هي رؤيتكم لواقع جنوب لبنان حالياً على الصعد كافة، اقتصادياً، وتنموياً واجتماعياً وثقافياً؟
لقد عايشتُ الجنوب في فترة تسعينات القرن العشرين وما بعد عام 2005، وكنت على تماس مباشر في الجنوب آنذاك. وأهتم بقضايا الجنوب منذ تلك الفترة مهنياً، فضلاً عن الجانب العاطفي والنفسي. أنا أرى أن الجنوب في هذه المرحلة في الوقت الذي نتكلم فيه عن إنجاز استثنائي على مستوى التحرير من الاحتلال الإسرائيلي، يعاني من تراكمات. فالمقاومة موجودة في جنوب لبنان منذ أن وُجدت إسرائيل هناك، فأخذت وجوهاً مختلفة (ماركسياً، وقومياً، وإسلامياً، وشيعياً..) ولكن من المؤسف أن هذا الإنجاز ترافق مع تراجع مدقع على المستوى الثقافي وعلى مستوى الإنتاج الثقافي والفكري والحيوية السياسية. ففي فترة التسعينات وجدت الأنشطة الثقافية. أما الآن فهذه الأنشطة لها طابع حزبي ومنظم أكثر مما هو عفوي، لكنها مستنسخة وموجهة وأقرب إلى أنشطة وزارة الثقافة والتوجيه، والدليل على ذلك ما هي الإنتاجات الفكرية والثقافية المهمة التي أُنجزت خلال الخمسة عشرة سنة الأخيرة؟ إذاً هناك انحسار وتراجع في الحركة الثقافية، والمقاومة لم تنتج ثقافة تباهي بها. أما المقاومة الفلسطينة فقد أنجزت ثقافة على مستوى عربي وعالمي (غسان كنفاني، محمود درويش…). نحن نتكلم عن أدب المقاومة الفلسطينية فما هو الكتاب الذي يمكن أن نباهي به؟ هو القصيدة. هناك تراجع مخيف في الجنوب وغير مسبوق. من بعد دولة لبنان الكبير كانت هناك مرحلة فيها فقر ثقافي وفكري، وفي رأيي أن ذلك ناتج عن عقلية سياسية قامت على العصبية. فهذا المرض الطائفي وفكرة الإجماع والزعامة ليس لها علاقة بالتشيّع، لكنها عقلية سلطة. والسلطة لا تصنع الثقافة وهذا تراجع غير بسيط ولا أقصد بهذا الكلام التجني لكن هناك إجماعاً بين جميع المراقبين أن مظاهر الفساد ازدادت أكثر مما كانت عليه وأثّر ذلك على ثقافة المجتمع، كموضوع المخدرات الذي ازداد في السنوات الأخيرة، فإلغاء الحيوية يجعل الناس تهرب إلى أماكن أخرى تعبّر بها عن نفسها. في الخلاصة هناك تراجع فكري – ثقافي بالرغم من وجود تحسّن إقتصادي بالمجمل وتراجع نسبة الفقر، لكن هذا التحسّن الإقتصادي ترافق مع التراجع الثقافي.

– هل تلعب المجلة دوراً في نهوض الجنوب وكيف؟
لقد لعبت المجلة دوراً بارزاً من خلال الإضاءة على التجارب التنموية. وقد تكون نجحت في إثارة نقاش حول بعض القضايا الحيوية في الجنوب على المستوى الفكري أو الثقافي أو في قضايا تنموية. وكانت المجلة تؤكد على أنها تنشر آراء مختلفة، وليس هناك من قيود على ما تعبّر به هذه الأراء من حرية رأي ووجهة نظر وتقديم هذه الصورة إلى المشهد الإعلامي في الجنوب. وكان هناك نوع من دعوة غير مباشرة إلى ضرورة أن يظهر الناس والمهتمون بقضايا الجنوب آراءهم بحرية من دون تكلّف. وتحاول المجلة أن تستدرج الآخرين نحو هذه المسائل وتفتح مساحة للشباب، وهي حريصة على كونهم يعبّرون عما يفكرون به ويتطلّعون إليه.

– هل من كلمة أخيرة تودون توجيهها؟
في الختام أشكرك وأشكر موقع وكالة “شفقنا” على هذه الإستضافة وعلى هذه الأسئلة التي تنمّ عن رؤية دقيقة لأوضاعنا الجنوبية واللبنانية، والتي تستفز العقل والتفكير وتفتح المجال لأن يقول المرء كلاماً لا يستطيع قوله في مساحة أخرى.
شكراً لكم وموقع وكالة “شفقنا” يرحّب بكل الآراء الإسلامية والمسيحية من جميع الاتجاهات.

السابق
اسبوع “عظيم” للمملكة المتحدة في العاصمة بيروت
التالي
حميد: الحوار خطوة حقيقية لمعالجة القضايا الخلافية