مشاكل الحياة العالقة، نقلها الفنان هادي بيضون إلى محترَفه، حرّفها برؤيته الفنية الخاصة، ودبّج «قمامتها» بالألوان والمنحوتات. ذخيرة حربية، عبوات مشروبات غازية، وأشكال مســتوحـــاة من هذا العـــالم «الــفارغ» بعد استهلاك ما كان يتضمنه، ليجــسّد من خلالها رؤيته للحياة والزمن، فالوقت المتعارف عليه، من وجهة نظره، «مجرّد رقم، قد يُحسب بتوقيت غرينيتش، أما الوقت الحقيقي فهو القائم في داخل كل شخص، ويُحسب بالزمن الشخصي الذي يقاس بالتجارب ومراحل الحياة»، على قاعدة أن البشر نواتهم واحدة.
كل ما في المحترف، يعيده بيضون الى الذات والجماعة. لا عمل في محترفه في منطقة جل الديب (شمال بيروت)، من غير إسقاطات نفسية ووجدانية. غير أن أكثر ما يثير الأسئلة، صناديق الذخيرة الثلاثة الفارغة الا من ألوان تكسوها، وعبارات خُطّت عليها محمّلة كل صندوق عنواناً خاصاً: إصلاح، إنعاش، وغفران. تلك الصناديق، تفسرها رموزها.
يقول بيضون: «أؤمن بأن الحرب داخلية فقط، موجودة في داخل من يخوضها، أو يطلقها، أو يشارك فيها، وبالتالي فإن السلاح المستخدم ضد الغير موجّه في الأساس إلى صدر من يستخدمه، الحرب توجّه، رغماً عن مشعلها، ضد ذاته، لذلك كتبت تلك العبارات التي تدعو الى نبذ الاقتتال، بدءاً من الذات، كي تبتعد فكرة قتال الغير، لأن فاقد الشيء لا يعطيه».
صناديق ذخيرة ملوّنة
صناديق الذخيرة مغلقة، لا شيء يوحي برموزها سوى الألوان والعبارات، ذات الأبعاد الفلسفية، المدونة عليها. لكن هادي، يستطيع بدرايته الفلسفية وخلفيته الثقافية أن يوضح مقاصده: «أصل العمل يقوم على فكرة الصندوق المغلق»، على اعتبار أنه إذا وصل المشاهد الى اقتناع بأن الحرب داخلية، يصبح الصندوق رمزاً للعقل، ويضيف: «الصندوق المغلق هو العقل البشري الذي إذا انفتح، تنتهي صلاحية فكرة الاقتتال في داخله، وطالما بقي الصندوق مقفلاً، تبقى الأفكار التي تجول في داخله تتصارع بين ثقافتين، الموت والحياة… أما العبارات التي توّجت بها الصناديق، فتساهم في تغليب ثقافة الحياة على نقيضها، وبالتالي، تصبح الصناديق الملونة دعوة مفتوحة إلى تصالح البشر مع أنفســهم، وطرد الحرب من دواخلهم، منعاً لاقتتالهم مع الآخرين».
فوق ذلك، يعتبر بيضون أن الصلح مع الذات أساس البناء النفسي الهادف الى نبذ الاقتتال. يؤمن بالفكرة، ويعمّمها في أعماله. فالفن من وجهة نظره، «أسلوب تعبير عن الهواجس والأشياء والمشاعر، ويُعبّر عنه بكل أشكال التواصل». بمعنى آخر: «هو تعبير عن فكرة غير مرئية، وغير ملموسة». ولأن الفن يقوم على تحويل الفكرة إلى شيء ملموس، «أخذت على عاتقي تحويل الأفكار إلى أشكال وألوان تعبّر عن ذاتها بذاتها، وعن ذاتي أيضاً وفلسفتي في الحياة».
يدمن هادي بيضون الفن بكل أشكاله. يرسم، ينحت، يرسم الأوشام على الأجساد ويصمّم الإعلانات، الى جانب تصميم الديكورات الداخلية. وتنطوي أشكال الفن التي يمارسها على رغبة ذاتية في لفت أنظار الناس إليها. أما لوحاته، «فهي منفذ للتعبير عن فكرة لا تهدف الى التجارة والتسويق، بقدر ما تعبر عن إحساس، وإعادة تشكيل لظرف أمرّ به»، كما يقول.
غير أن الظروف، تعمل في الوعي الفردي على تغيير الفلسفة التي يؤمن بها الفنان، وتتبدل مع العمر. الآن، وفي مرحلة بيضون العمرية الثلاثينية، «أفكر جدياً في البحث عن تجربتي الخاصة، لأثور على المفاهيم التي تعلمتها في الصغر»، كما يقول. فالأفكار «المعلبة» لم تعد تقنعه، باستثناء فكرة الخير والشرّ. وقد منحه وجود الله في حياته الأمل، والقدرة على العطاء منعاً للإحباط.
يبدو ذلك جلياً في تجربته الفنية، فاللوحات التي زين بها غرفة نومه، تؤكد أنه تعالى على وحدته، وأسكَنَ أفكاراً جميلة بين الباب وحائط الخزانة، ترفع الإحباط الذي تدفعه الوحدة إليه. اختبر فصول النفس، العاصفة والهادئة، المزهرة والخريفية.
وبين السكون والوجد، مساحة خاصة تعصف في ذات هادي بيضون، تشي بتمرّده، ويُشار إليها بألوان خطّها من وحي «المهملات»، لكنه أعاد إليها الروح بالنحت الخشبي، والتصوير الدقيق لشكل أنقذه من تداعيات الزمن.
يقول: «نعم، أنا متمرد. تمردت على كل شيء، وأعتقد أن هذه المشاعر اجتاحتني بعدما هزّ كياني رحيل والدتي عن عمر مبكر. رحيل الأم زعزع إيماني بالآخر، فتمردت على كل شيء، وتحدّيته، لكن الصدمة كانت إيجابية ومحفزة على الفن والإبداع». أما الحنين، فهو أكثر ما آلم بيضون، فعبّر عنه في أعماله، وتحول إلى شخص يعطي الحب في اتجاهين متناقضين، حب العطاء وحب التملك.

