جنبلاط يسعى للإمساك بكل الأوراق

شكلت الزيارة الأخيرة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط للمملكة العربية السعودية مؤشراً مهماً على التطور الايجابي في العلاقة بينهما بعد الانقطاع الذي حصل بسبب تأييد جنبلاط للرئيس نجيب ميقاتي في تشكيل الحكومة الأخيرة وعدم البقاء في صف رئيس «تيار المستقبل» سعد الحريري.

وقد عمد جنبلاط خلال الأشهر الماضية، ولا سيما منذ اندلاع التحركات الشعبية ضد النظام في سوريا، الى الوقوف الى جانب المعارضة السورية وتوجيه الانتقادات القاسية للنظام ورئيسه الدكتور بشار الأسد، وذلك من أجل إعادة تظهير موقفه المتوازن بين بقائه في الحكومة وعلاقته الايجابية مع حزب الله، وبين سعيه لإعادة قنوات التواصل مع «تيار المستقبل» والمملكة العربية السعودية.

وقد نجح جنبلاط في اعادة التموضع مجدداً في ما يسمى «خط الوسطية» الى جانب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، من دون أن يعني ذلك عدم وجود خلافات معهما في بعض القضايا ولا سيما «قانون الانتخابات النيابية» و«اعتماد النسبية». وبالمقابل أعطى جنبلاط قوى المعارضة بعض الأوراق الايجابية، ومنها رفض التصويت لمشروع قانون صرف الـ890 مليار ليرة من دون اجراء تسوية لملف الـ11 مليار دولار، من دون ان يعني ذلك الانسحاب من الأكثرية الحالية ودعم الحكومة الحالية، وهذا ما برز خلال التصويت الأخير على الثقة بالحكومة حيث صوَّت نواب جبهة النضال الوطني الى جانب الحكومة ورفضوا سحب الثقة منها.

فما هي الأسباب التي تدفع وليد جنبلاط الى الوقوف في الموقع الوسطي في هذه المرحلة؟ وكيف سيكون أداء جنبلاط في المرحلة المقبلة بعد العودة من السعودية ولقائه عدداً من المسؤولين السعوديين هناك؟

أسباب «الوسطية» في الموقف

بداية ما هي الأسباب التي دفعت وليد جنبلاط الى انتهاج «الموقف الوسطي» على الصعيد السياسي الداخلي، والجمع بين معارضته للنظام السوري والحرص على العلاقة الايجابية مع حزب الله في لبنان؟
مصادر قيادية في الحزب التقدمي تعتبر «ان النهج الذي اعتمده الحزب ورئيسه ينطلق من زاوية الموقف المبدئي الداعم للثورات الشعبية والحرص على حماية الاستقرار الداخلي في لبنان وعدم السماح بانتقال انعكاسات الأزمة السورية الى الوضع اللبناني الداخلي، وان المطلوب عدم الرهان على سقوط النظام السوري أو الاعتماد على العلاقة مع هذا النظام في التعاطي مع الشأن اللبناني». وتضيف المصادر: «ان مواقف الحزب ورئيسه تنطلق من حماية الاستقرار الداخلي وعدم نقل الأزمة السورية الى لبنان على الصعيد الأمني بغض النظر عن الخلاف في الموقف من النظام السوري معارضة أو تأييداً».

لكن مصادر دبلوماسية وسياسية في بيروت تعتبر «ان جنبلاط يحدد مواقفه وفقاً لرؤيته الاستراتيجية للأوضاع وتطوراتها، وهو يرى أن الأمور لن تحسم في هذه المرحلة، فلا النظام السوري سيسقط في الأشهر القليلة المقبلة ولا المعارضة الشعبية ستنتهي، ولذلك فإن الأفضل الحفاظ على الموقف الوسطي بانتظار تبلور الصورة».

وترى المصادر «ان جنبلاط لديه تحديات سياسية داخلية كبيرة، وخصوصاً على صعيد الانتخابات النيابية المقبلة، سواء جرت الانتخابات وفقاً لقانون الستين أو جرى اعتماد قانون جديد يدمج بين النسبية والأكثرية، لذلك، يفضل جنبلاط إبقاء خيوط الاتصال والتواصل مع جميع الأطراف وارضاء القواعد الانتخابية في الدوائر التي يشارك فيها الحزب التقدمي بقوة، كما ان تغيير الحكومة حالياً ليس أمراً مثيراً، ولذلك يصبح الخيار الوسطي هو الخيار الأفضل الذي يحفظ الوجود والدور بانتظار تغير الأوضاع سلباً أو ايجاباً».

المرحلة المقبلة

لكن كيف سيتعاطى جنبلاط مع التطورات الداخلية والخارجية بعد زيارة المملكة العربية السعودية؟ وهل سينحاز الى فريق داخلي في مواجهة فريق آخر؟ وهل يمكن ان ينسحب من الحكومة الحالية لمصلحة تشكيل حكومة جديدة حيادية كما تطالب بعض قوى 14 آذار وقادة تيار المستقبل؟

مصادر سياسية متابعة تعتبر «أن زيارة جنبلاط للسعودية واللقاء مع عدد من المسؤولين فيها يشكلان خطوة جديدة في إطار اعادة ترتيب علاقة جنبلاط مع المملكة ويمكن ان تكون مدخلاً لاعادة ترتيب العلاقة مع «تيار المستقبل» و«قوى 14 آذار» استعداداً للانتخابات النيابية المقبلة، وخصوصاً في ظل ارتفاع النقاشات بشأن قانون الانتخابات والمطالبة باعتماد النسبية وجعل لبنان دائرة واحدة وسعي بعض اطراف الأكثرية الحالية (الرئيس نبيه بري) لجذب جنبلاط الى جانب مواقفه عبر الحديث عن انتخاب «مجلس الشيوخ» بعد اعتماد النسبية» ورفض جنبلاط لذلك.

وتضيف المصادر «ان جنبلاط قد لا يلجأ في هذه المرحلة الى اتخاذ مواقف سياسية داخلية انقلابية لأن الأوضاع غير محسومة، لا داخلياً ولا خارجياً، والأفضل بقاء الحكومة من دون أي تغيير، لكنه يريد العمل للامساك بكل الأوراق مجدداً حتى يكون قادراً على التفاوض مع الجميع من موقع قوي، وخصوصاً ان الجميع بحاجة إليه لحسم أية مسألة داخلية وخصوصاً على صعيد التصويت في مجلس النواب أو تحديد الموقف النهائي من قانون الانتخابات أو تشكيل حكومة جديدة».

وتتابع المصادر «أما على صعيد الموقف من التطورات الخارجية فجنبلاط سيتابع دعمه لقوى المعارضة السورية رغم ان تغيير الوضع السوري حالياً غير مطروح في ظل استمرار تطبيق مبادرة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، وقد عمد جنبلاط قبل فترة لاصدار بيان يدعو للحوار السياسي في البحرين واطلاق المعتقلين فيها، وذلك كمحاولة للتوازن بين موقفه المؤيد للمعارضة الشعبية في سوريا وموقفه من التحرك الشعبي في البحرين».

اذن يعود جنبلاط من السعودية وهو يمتلك أوراقاً جديدة لتدعيم موقعه السياسي والشعبي وهو يدرك أن دوره أساسي ومهم في هذه المرحلة والجميع بحاجة إليه، وهو بحاجة إلى أن يكون على علاقة ايجابية مع الجميع بانتظار تبلور صورة الوضع داخلياً وخارجياً، فالأولوية اليوم لجمع أوراق القوة بانتظار حسم الأمور لتحديد الموقف النهائي.

السابق
اجتماع ثلاثي بلا نتيجة في الناقورة
التالي
المجلس أمام بهدلتين…