دفاعا عن وزير العمل: هكذا تضرب الدولة الـ«سماسرة»

عندما تستعصي على الدّول الحلول فاإن جهودها لا تصل الى حائط مسدود، لأنّ المبادرات دائما موجودة، والمحاولات الجادة تثمر في النهاية عندما تتوفّر إرادات حقيقية. وهذا ما فعله وزير العمل سجعان قزي في مبادرته لإنشاء "الصندوق المالي" لموظفي الوزارة، فاعتبر من قبل البعض أنّه يشرّع الرشوة. ولكن عند الرجوع إلى النموذج السويسري الذي اتّبع في مكافحة المخدرات نرى أنّ قرار الوزير اللبناني هو الأكثر صوابًا بعد عجز الدولة عن محاربة الفساد.

أثار بلبلة قرار وزير العمل سجعان قزي الذي قضى بإنشاء صندوق مالي خاص لموظفي الوزارة توضع فيه الأموال إختياريًا من قبل المواطنين الذين يريدون إنجاز معاملاتهم بسرعة، وخلق جدلاً واسعًا بين اللبنانيين انطلق من مبدأ اعتبار الوزير يعمل على “تشريع الرشوة”.

إقرأ أيضاً: هكذا حاول حزب الله «الالتفاف» على تظاهرة النبطية و«طمطتها»
لا شك أنّ القرار كان يحتاج الى تقديم بشكل مختلف، كي تأتي ردود الفعل السلبيه أقل حدّة، ولكن جوهر القرار كان جريئا في أقل تقدير ويحاكي تجارب عالميّه رائدة في مكافحة المشاكل المستعصية والمرتبطة بالسلوك البشري.

 

ومن أبرز الأمثلة الشبيهة لقرار الوزير، ما قامت به الدولة السويسرية، ففي العام 1991 تمّ إطلاق برنامج سمي بـ”الأعمده الأربعة” لمكافحة الادمان على الهيرويين في البلاد، هدفه الوقاية والعلاج وتقليص الأضرار.

نشأ هذا البرنامج في ظل عجز الدولة عن مكافحة الإدمان مع وصول عدد المدمنين على هذا المخدّر إلى 25 ألف شخص، ومع وصول ظاهرة الإدمان ذروتها في النصف الثاني من الثمانينيات، حين نقلت وسائل الاعلام العالمية صور مئات المدمنين المتجمعين في احد ساحات بيترسبيرغ… هذا دفعها إلى توزيع المخدرات مجانًا وبرقابة طبية على المدمنين. فدخلت “شريكًا منافسا” مع التجار لتوجّه ضربة قوية في سوق المخدرات والى التجّار تحديدا، الأمر الذي نتج عنه العديد من الإيجابيات التي خففت من الأضرار. فقد كانت المخدرات قبلا تتسبّب بوفاة أكثر من 400 مدمن سنويًا، فيما انتشرت الأمراض كالإيدز والتهاب الكبد، إضافةً إلى جرائم القتل والدعارة.

 

بعد مضي بضعة أعوام على انطلاق هذا البرنامج وتطوير العديد من برامج تقليص الأضرار، التي شملت المعالجة بالاعتماد على الهيرويين وتوزيع إبر معقمة وافتتاح مراكز للمدمنين، وإغلاق الساحة المفتوحة للمخدرات في زيويخ… وبفضل البرامج الجديدة، بدأ استهلاك الهيرويين في التراجع، فيما تقلّصت نِسبة الوفيات إلى النصف.

وبالعودة إلى لبنان عجزت الدولة عن إصلاح جوانب كثيرة من الفساد وأبرزها الرشوة، وجاء قرار وزير العمل الجريء الذي أثار موجة من الإعتراضات والاحتجاج على أساس أن دور الدولة لا يجوز أن يقارن بدور عصابات السماسره.

 

وبين قرار الوزير ودور الدولة في محاربة الفساد، ليس هناك أبلغ من المثل السويسري في مكافحه الإدمان، لنرى أن ما يقوم به وزير العمل يلامس صلب تجربة ضرب سوق “السمسرة” بإدخال الدولة “شريكا مضاربا” ليقضي تدريجيًا على هذه الآفة.

إقرأ أيضاً: 25 يومًا نفايات والمراوحة مستمرة

إنّ إدارة الدولة في ظل مشاكلها الكثيرة المادية والمعنوية، تستدعي مقاربة للمشاكل والحلول انطلاقًا من الواقع والابتعاد عن المحرّمات النظرية التي تمنع المواطنين من استخدام أساليب عديدة يمكنها أن تكون مفتاحًا لحلول مشاكلهم اليومية.

وأخيرا، فإن العقل المنفتح ينتج حلولا أكثر واقعية.

السابق
الحريري تمنى على نواب وقيادات المستقبل عدم زج اسم الشهيد الحريري في اي سجال
التالي
صحافيون يعتصمون غدا صباحا بالأونيسكو: ‫#‏قاطعوا_انتخابات_المحررين‬