..فوق “طاقة” الاحتمال

فرغ خطاب وزير الطاقة وكل الطاقة جبران باسيل إلا من التهويل كالعادة. لافتة مواقفه وقراراته الصارمة كلما "نفش ريشه" كالطاووس الزاهي بمنفعة واحدة فقط يذكرها الحكواتي في إحدى الحكايات لأخذ العبر منها ويقول "منفعة الطاووس أنه كلّما مضت ساعة من ليل أو نهار يصفّق بجناحيه ويزعق".. وتضيف الحكاية اللبنانية ملاحظة أخرى "خذوا العبرة من سلوك الوزير العوني باسيل ولا تعملوا بها لتنالوا الحكمة.." فاتخاذ العبر ينجّي من معاودة الوقوع في الأخطاء نفسها التي "يغرق" فيها وزير الطاقة "حتى الأذنين"، وإن كان في التكرار علم وإفادة إلا أن هذه الفرضية غير مطروحة هنا.
هدرت ماكينات بواخر باسيل بأصواتٍ مزعجة ثم أُطفئت، واللبنانيون يتمايلون مع حركتها يمنة ويسرة.. هكذا يدلّعهم وزير الطاقة بالتهديد والوعيد وقطع "التيار" وكفّ طاقته الكهربائية عنهم مستخدماً خطاباً قادراً على إقناعهم بشحذ السّيف وتأجيج لغة العنف. وبعدما أفرغ الوزير طاقة وزارة الكهرباء "المظلمة" ها هو يفرغ اليوم محطات الوقود من طاقتها ليشحن بها خطاباته التي تكرّس ثقافة الفساد وتعمّم منطق المحاصصة والغنائم وتعتّم على قلوب اللبنانيين. من الصباح الباكر، يطالع الشعب اللبناني بأخبار عدم توقيعه على جدول أسعار النفط، ومقارنة مع الأسبوع الماضي حين تأخّر أيضاً 24 ساعة في التوقيع، يخلص التحليل الى أن "الدماغ الباسيلي" يستغرق يوماً كاملاً لتلقّف حاجات المواطنين، من دون أن يلامس أبسطها.. كل هذا ولا تغيب عن ذهنه صورة المليارات من الأموال التي يتخوّف من خسارتها عند إجراء مناقصة جديدة لقصة سفنه التي "تترنح" بين التزاماته الشخصية ومناوراته التجارية. بذلك تكون أفكار الوزير شبيهة ببرامج الكومبيوتر التي تقوم بعملية "rendering" منظمة تلخّص الاستفادة المبرمجة لـ"تطيير" أموال الشعب اللبناني بغية إغراقه في عتمة طويلة. وهكذا لم يوقّع الوزير إلا على محو نفسه من جدول الإصلاح، بعدما "أوقع" من حساباته كل مصالح الشعب اللبناني، ومحا من أوراقه حاجتهم الى الكهرباء والنفط، ورسم لمسيرته خريطة طريق للتهويل وأخواته "عالمفضوح" بردّه على الأزمة بأزمة، نكاية بكل حقوق المواطنين.
بثقة وكمن يملك كل مقومات السلطة المتسلطة على البشر والحضارة في التعاطي مع الملفات الجدية والحساسة، يعلن الوزير المشحون غضباً وغيظاً، أن لبنان "مقبل على كارثة في الكهرباء ستزداد عاماً بعد عام"، ويدعو الناس الى "النزول إلى الشارع لأن الوضع لم يعد يُحتمل". فعلاً عرف كيف يوصّف الحالة اليوم، فهي لا تُحتمل ولا تُطاق وتدعو الى الاشمئزاز، فاللبناني يستفيق في الصباح في غياب "التيار" وينام في الليل و"التيار" مقطوع، ويحسب ألف حساب لمصروف سيارته من النفط حيث ستلامس صفيحة البنزين الـ40 ألف ليرة.. حلول كثيرة يقدمها الوزير باسيل من دون أن يعي ذلك: ففي الشتاء تدفأ اللبناني على "حرارة القلوب"، وفي الصيف سيتنعّم بـ"برودة التيار" وسيشحن هاتفه من الخطاب العوني، ويملأ خزان سيارته من "وقود السمّ" المفعم بأحلام باسيل الثائرة.
ويحقّ للوزير ما لا يحقّ لغيره، يحقّ له ألا يوقع ولا يحق لشركات النفط أن تضرب. يحق له أن ينأى بنفسه وبفهمه عن هموم المواطن ولا يحق لأي من أعضاء الحكومة مغالطته أو النأي عنه. يحق له أن يفرض منطقه العوني ولا يحق لأي أحد أن يناقشه تطبيقاً لوصية جديدة تُضاف على الوصايا العشر "لا تجادل عونياً"! كفى.. فالوزارة ليست ملكية شخصية لوزير يمارس سياسات الإصلاح الفاسدة والتي باتت "آخر موضة". وما هو واضح أن استراتيجياته لا تفضي إلا لما هو أفسد من الفساد. فسُد المصلحون ولو صعّدوا بالممانعة، فهم يتمنّعون عن كل ما يفيد المواطن ويسهّل عليه حياته اليومية ويدعمه في وقت الضيق. ولأنه "مزروك في بيت الياك"، يعدد الوزير المصلح المغالطات البعيدة عن الجدية والرصانة، فيما لم يقدّم أي معطيات جديدة مصرّاً على إقناع الجميع بما هو مقتنع بأنه سيزيد من "أصفاره" ويدعم مشروعه المرتكز على الأرقام، بعيداً من آلية المناقصة والتطبيق في ما خصّ بواخر "التايتانيك" التي لا تعيش فيها قصص الحب كما في الفيلم، بل يتنامى فيها أكثر من فيلم وتستشري فيها الأضاليل واستراتيجية النكايات وخطط التهويل وابتزاز المواطنين.
لا يسع المواطن اللبناني إلا تقديم "التشكرات" لوزير الطاقة وكل الطاقات جبران باسيل، الذي يخرج بألاعيبه من الباب ثم يعود ليدخل بخزعبلاته من الطاقة، لتشجيعه على الرياضة بدل استخدام سيارته، ما يحافظ على صحته ويطيل عمره، والعودة الى السهر على ضوء "شمعة دموع شمعة ألم" التي ذكرها الفنان هاني شاكر في إحدى أغنياته. لكن الحقوق في لبنان تعطى للشعب الحر بالتساوي، وإن كان التحدي اللامنطقي في صلب خطة الوزير باسيل، فعليه أن يعلم أنه يحق للشعب اللبناني ما لا يحق له ولغيره.. يحق للشعب أن يثور وأن يعلن العصيان المدني، يحق للشعب أن يسقطه ويوقع بسياسة لا إصلاحه قبل أن يوقّع على أي جدول، ويحق للشعب أيضاً أن يضرب ويعتصم ويستخدم الشارع مجدداً لاستعادة حقوقه كما استعاد حريته واستقلاله.

  

السابق
زلزال استراتيجي يضرب أركان العالم
التالي
معالي الوزير، لنصلح ونغيّر بلا توتر