العسكر لم يقف ضد الثورة في مصر هذا صحيح، لكن بالتأكيد هو ليس صانع الثورة لذلك لا ينبغي ولا هو من المؤمل أن يقطف الجيش ثمار شجرة الثورة التي سقاها الشعب بدماء شبابه.
كان هناك قدر كبير من الحنكة والتعقل في إدارة الجيش ممثلا بالمجلس العسكري للأحداث ما بعد الثورة، لكن تغلب عليه شيء من حب الاستحواذ أو الشعور بأنه وريث مناسب ومنطقي للنظام السابق، فأخطأ خطأ كبيرا قد يحوله من راع نزيه لمرحلة انتقالية الى شريك لإخفاقات وحتى جرائم النظام السابق.
خطأ المجلس العسكري الأول كان في تنصيب نفسه حاكما أوحد لدولة كبيرة تحمل أعباء نظام شبه منهار ترك البلد فقيرا متخلفا ينخره الفساد، وتوهم المجلس الحاكم بأنه يستطيع أن يدير إرثاً ثقيلاً للنظام السابق الذي فقد المقومات الأخلاقية والمادية والموضوعية للاستمرار فأصبح يجلس على كرسي السلطة الذي تحول دفئه سريعا إلى جمرة حارقة.
كان على المجلس العسكري في البداية اتباع إرادة الشعب ولو لم يكن هناك قائد يجمع شتاته، إلا أنه شعب ثائر أراد تغيير الواقع وهو أحق بحكم نفسه، فيكون هناك حكم انتقالي يقوده مجلس يعكس القوى السياسية في مصر وقد تكون هناك مشاركة للمجلس العسكري فيه وليست سيطرة تامة.
ما حدث هو أن المجلس أصبح هو الحاكم، حاكماً بلا مقومات مادية أو سياسية أو شرعية تدعم حكمه، وبعقلية العسكر التي لا تستطيع إدارة شعب صغير فكيف بشعب عريق وكبير، وبعدها نصب الجيش رئيسا للوزراء متمثلا في حكومة شرف. طبعا مرجع شرف هو المجلس العسكري فالحاكم مرة أخرى هو المجلس، ودولة خرجت من ثورة لم يستطع رئيس تابع لمجلس عسكري إدارتها، فكانت الصدامات والمظاهرات وسالت الدماء.
تنحى شرف وجاء العسكر رغما عن الشعب برئيس آخر ممثلا في الجنزوري الذي يذكر الشعب بالحقبة السابقة التي لفظها. طبعا البعض يتساءل، أين ورطة العسكر، لقد تمت الانتخابات البرلمانية وبعدها سيكون هناك وضع للدستور وبعد أشهر انتخابات رئاسية؟ نظريا هذا صحيح لكن هناك مسألة منْ يضع الدستور، المجلس المنتخب الذي يمثل الشعب أم سيتدخل العسكر لتكون لهم يد في وضع الدستور، هل سيترك العسكر المجلس بقواه الدينية الصاعدة يشرف على وضع الدستور ويصادق على مسودته قبل الاستفتاء عليه، أم سيفرض المجلس أعضاء معينين للمشاركة في وضع الدستور حتى يتمكن العسكر أن يضعوا نقاطاً دستورية تحميهم من المساءلة وتعطيهم صلاحيات واسعة ليتكرر السيناريو التركي السابق كما يتخوف من ذلك كثير من القوى السياسية المصرية خصوصاً المتدينة؟
هناك وثيقة الدكتور علي السلمي المثيرة للجدل والمعنية بوضع المبادئ الاساسية للدستور لما تتضمنه من بنود قد تتعارض مع الأغلبية البرلمانية وهذه احدى حالات الشد بين الجيش وتأثيره في وضع الآلية السياسية التي ستحدد المستقبل السياسي لمصر وبين قوى تمثيل الشعب المختلفة، ومن البنود المثيرة للخلاف في وثيقة السلمي، خصوصاً من قبل التيارات الإسلامية السياسية وبعض القوى المستقلة، هي أحد المواد التي تنص على تشكيل لجنة وضع الدستور والمكونة من مئة شخص منهم عشرون عضوا من مجلس الشعب فقط، أما البقية فسيتم اختيارهم من العديد من المؤسسات والهيئات الحكومية من السياسيين وغيرهم. والسؤال… بعد اعطاء ممثلي الشعب بالبرلمان عشرين في المئة من المقاعد من سيكون له اليد الطولى لاختيار الأغلبية الباقية، التي ستضع مسودة الدستور؟
ومن بنود الوثيقة المثيرة للجدل احدى المواد التي تعطي المجلس العسكري صلاحيات للاعتراض على نصوص مشروع الدستور، وأيضا في حال عدم قدرة اللجنة الدستورية على وضع الدستور وفق الأطر المرسومة في الوثيقة، فللمجلس العسكري صلاحيات اختيار جمعية تأسيسية جديدة لإعداد الدستور. هذا الجدل حول الوثيقة يظهر معادلة كان يطرحها النظام السابق لتضمن وجوده وهو تخويف القوى السياسية المختلفة من القوى الإسلامية السياسية بطريقة تمنع الإرادة الشعبية من أن تفرض رأيها، وهذا تحد أيضا للقوى السياسية الإسلامية بأن تثبت أن هوية المجتمع الدينية وقيمه الأخلاقية وحضارته العريقة لا تتعارض مع حريته وكرامته ووحدته الوطنية بل هي التي تعززها.
لقد وضع المجلس العسكري مجلسا استشاريا، لكن بقي المجلس بلا قدرات حقيقة ما حدا بأثنى عشر من أعضائه الثلاثين للانسحاب. كل هذه المعضلات في وضع الآليات المناسبة لإعداد نظام المستقبل، نظام ما بعد الثورة هي معضلات أكبر من قدرات الجيش السياسية، فالجيش في مصر يملك شعبية كقوة تحمي الحدود وتدافع عنها ممن ينال من سيادة الدولة، ولكن قدرته في إدارة مصر في هذه الظروف الدقيقة، مع رغبة بأن يكون القاضي والحكم، هي رغبة قد تقوض قدراته وتجعله أمام قرارات بإعطاء الصلاحيات للشعب بالأقساط إذا لم يكن يرغب في اعطائها دفعة واحدة، لكن إذا كان قرار الجيش كذلك فإن دفعاته للشعب قد لا تكون بالأقساط المريحة خصوصاً مع بقاء أحداث ماسبيرو، وشارع محمد محمود، وسحل الفتاة وتعريتها أمام الجماهير ماثلة للعيان.

