مأزق جيوسياسي لنظام الملالي: الخوف من الانفجار الشعبي يمزق أجنحة السلطة

ايران

تشهد أروقة نظام الملالي في هذه الأيام صراعاً داخلياً محموماً بلغت شظاياه تصفية حسابات علنية بين أجنحة السلطة المستبدة. إن هذا التراشق الإعلامي والسياسي العنيف، الذي يتمحور حول المفاوضات السرية مع الولايات المتحدة والسيطرة الاستراتيجية على مضيق هرمز، لا يعكس سوى حقيقة واحدة: العجز البنيوي لـلنظام الكهنوتي أمام الانسداد النظامي الذي يطوق عنقه، والذعر المتصاعد من فوران غضب الشعب الإيراني الذي يتربص به في كل الساحات.

دخل الصراع المحتدم بين عصابات وأجنحة النظام الكهنوتي الحاكم في إيران طوراً جديداً من التوتر البالغ خلال شهر مايو من عام 2026. إن التضاد الحاد في المصالح بين ما يسمى التيار المتشدد من جهة، وتحالف مسعود بزشكيان الهش مع زمرة محمد باقر قاليباف من جهة أخرى، يقدم صورة عارية لحرب منظمة تدور رحاها داخل بنية سلطة الاستبداد. ويقف ملف الاتفاق النووي والمفاوضات المحتملة، جنباً إلى جنب مع التحكم الاستراتيجي بمضيق هرمز، في قلب هذا النزاع العنيف الذي بات يهدد ما تبقى من انسجام شكلي داخل هرم السلطة.

التراشق العلني في إعلام النظام

في أحد خنادق هذا الصراع، يرى الجناح المتطرف في أي تحرك نحو الاتفاق السري خيانة وتراجعاً مذلاً. وفي هذا السياق، شن حسين شريعتمداري، الممثل التقليدي لـ الولي الفقيه في صحيفة كيهان، هجوماً لاذعاً على التعتيم الإعلامي الذي تمارسه حكومة بزشكيان بشأن تحركات واشنطن، مدعياً أن ترامب يغرد بشكل شبه يومي، وأحياناً لمرات متعددة في اليوم الواحد، ليزعم كذباً قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، وافقت فيه الأخيرة على الإملاءات الأمريكية، لا سيما ما يتعلق بفتح مضيق هرمز وإعادته إلى وضعية ما قبل الحرب، دون أن نرى تكذيباً سريعاً ومستمراً من المسؤولين الإعلاميين في الحكومة. ولم تقتصر مخاوف هذا الجناح على الأبعاد الدولية، بل تعدتها إلى التشكيك في السياسات المالية البحرية للنظام، حيث تساءل شريعتمداري بنبرة اتهام: هل تم استيفاء حق الترانزيت ورسوم المرور من السفن العابرة أم لا؟!.

في المقابل، سارعت الصحف المحسوبة على جناح الإصلاح المزيف إلى التحذير من المغامرات الاقتصادية والأمنية في الممرات المائية الدولية، حيث ردت صحيفة اعتماد على هذه الادعاءات بالقول: يجب توخي الحذر الشديد في مسألة جني عوائد مباشرة من مضيق هرمز؛ فأي إجراء متسرع يمكن أن يثير الحساسيات الدولية بشكل حاد، وقد يؤدي إلى تشكيل تحالفات جديدة ضد إيران، فضلاً عن أن ملكية مضيق هرمز هي ملكية مشتركة بين إيران وسلطنة عُمان.

ولم تقف حدود هذه المعركة عند عتبات الصحف، بل امتدت لتشعل النيران داخل البرلمان؛ حيث وجّه كل من محمود نبويان وحميد رسائي نصل اتهاماتهما نحو السرية والغموض المحيطين ببنود الاتفاق المحتمل. وأعرب نبويان، الذي يشغل منصب نائب رئيس لجنة الأمن القومي في المجلس، عن صدمته مما تسرب من نصوص قائلاً: من البنود الصادمة في النص المحتمل هو اتفاق إيران وأمريكا على حل كافة المسائل المتعلقة بالملف النووي! علماً بأن إيران عضو في معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، ولها الحق في البحث والتطوير والإنتاج، وهذا الأمر لا علاقة لأمريكا به.

وفي نطق هجومي حاد ألقاه حميد رسائي في تاريخ 29 مايو 2026، ضرب في عمق الشرعية الإجرائية للبرلمان وللمجلس الأعلى للأمن القومي، مؤكداً تعمد تهميش السلطة التشريعية لتمرير الصفقات السرية: لأنهم لا يريدون للبرلمان أن يكون صاحب قرار، فإنهم يعطلون دوره متى شاؤوا… وفقاً للمادتين 77 و125 من الدستور، فإن أي اتفاقية تبرمها الحكومة الإيرانية مع الدول الأخرى يجب أن تمر عبر مصادقة البرلمان. لو كان المجلس حاضراً ومفعلاً، لطالبنا بحقوقنا يداً بيد مع الناس.

الكباش المستعر وهلع الانهيار الاجتماعي

هذه الهجمات المتواصلة استدعت رداً عنيفاً من الرئاسة الكهنوتية، حيث يرى أنصار بزشكيان أن هذه التحركات تستهدف شل حركة السلطة التنفيذية. ووصف حبيب الله عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في مكتب الرئيس، تصريحات رسائي بأنها مغالطة كاذبة وتهمة إجرامية موجهة لرئيس الجمهورية، مضيفاً: نحن نواجه مساراً خرج عن مدار التنافس السياسي ليتحول إلى مخطط منظم لإنهاك الحكومة، وتدمير مكانة رئاسة الجمهورية، وبث عدم الاستقرار النفسي في المجتمع… يبدو أن جزءاً من التيار الراديكالي لا يرى حتى في ظروف الحرب والمصالح العامة رادعاً لمواصلة مشروع التدمير.

وفي محاولة لفضح الخلفيات النفعية لهذا الصراع، أشار محللون موالون للحكومة، مثل عباس مهاجري، إلى أن هذا الانسداد ليس مجرد عناد سياسي، بل هو صراع على الامتيازات المادية: المسألة الأساسية هي أن هؤلاء الأفراد يمثلون ويتحدثون باسم تيار متغلغل في بنية القوة والثروة في البلاد… ويبدو أن هذا التيار سيقاوم حتى اللحظة الأخيرة أي انفراج أو استقرار معيشي.

وأمام هذا الشرخ المتسع، تتحرك الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة الاستبداد بكل وسائل القمع والترهيب للسيطرة على الفضاء العام، خوفاً من أن تتحول هذه الخلافات إلى وقود يشعل الثورات الشعبية. وفي هذا السياق، صرح علي زيني وند، معاون وزير الداخلية للشؤون السياسية، عاكساً تحذيرات مجلس أمن النظام: السياسة الرسمية للنظام تقضي بعدم إطلاق أي تصريحات حادة من المنابر الرسمية قد تزعزع الانسجام الداخلي… وأي شخص يخدش هذا الانسجام بأي تحرك كان، سيتم سوقه للمساءلة والمحاسبة.

وفي ذات الوقت، انبرت الأبواق المدافعة عن زمرة محمد باقر قاليباف لحمايته وحماية الفريق المفاوض، حيث شنت صحيفة خراسان هجوماً على  تيار متشدد المسمى بـ جبهة پایداری ، وكتبت: هذه العصابة لم ترحم حتى رئيس المجلس الذي يتحرك في الميدان بالتوازي مع مسؤولية الفريق المفاوض… محمد باقر قاليباف لم يضيع يوماً واحداً في خدمة النظام منذ أن كان في التاسعة عشرة من عمره، ولكنه اليوم بات هدفاً للتدمير. وحاولت الصحيفة تبرئة ساحة قاليباف من تهم المساومة والتنازل بادعاء أن تعثر الدبلوماسية يعود إلى تمسك الفريق المفاوض بالخطوط الحمراء التي أعلنها الولي الفقيه.

أفق المستقبل: حتمية الإسقاط والبديل الديمقراطي

إن هذا التعمق المستمر في الخصومة والتشظي بين عصابات نظام الملالي يثبت بالدليل القاطع أن بنية هذا النظام الكهنوتي قد وصلت إلى حالة من الشلل التام فهو عاجز عن حل معضلة معيشة الشعب عبر المفاوضات، وفي ذات الوقت غير قادر على التخلي عن بروباغندا الحرب الجوفاء التي يغذي بها مرتزقته وعناصر الحرس التابعين له.

لكن المحرك الأساسي لرعب كافة أجنحة السلطة المستبدة يبقى دائماً وأبداً: الهلع من فوران الغضب الانفجاري للشعب الإيراني. وهو ما اعترفت به صحيفة شرق الحكومية صراحة عندما كتبت محذرة من مغبة الهجوم على حكومة بزشكيان: إن مثل هذه السلوكيات تخلق موجة عارمة من الحقد والكراهية في المجتمع، وتلقي بشرر النار فوق حقل جاف من الاستياء المعيشي المتفجر، لا سيما عندما يساهم التلفزيون الرسمي في إذكاء هذه النيران.

إن هذا الواقع المتآكل يؤكد المؤكد: لا إصلاح يرتجى من داخل هذا الكيان الكهنوتي، وأن الحل الوحيد والنهائي يكمن في حتمية إسقاط النظام بالكامل على يد الشعب الإيراني وقواه الثائرة المنتفضة. إن خطاً دموياً فاصلاً يرتسم اليوم في الشارع الإيراني؛ خط يرفض دكتاتورية الحاضر المتمثلة في نظام الملالي، كما رفض وداس دكتاتورية الماضي المتمثلة في نظام الشاه البائد وبقاياه، رافعاً شعاراً ثابتاً: الموت للظالم، سواء كان الشاه أو الولي الفقيه.

ومع اقتراب ساعة الخلاص، تتقدم وحدات المقاومة وثوار الخنادق والميادين لقيادة هذا الحراك المنظم نحو الأفق الحقيقي الوحيد لإيران: الجمهورية الديمقراطية الحديثة. جمهورية تستند إلى مشروع المواد العشر للسيدة مريم رجوي، لتضمن فصلاً كاملاً للدين عن الدولة، والمساواة التامة والمطلقة بين المرأة والرجل، والحكم الذاتي للمکونات الوطنیة المضطهدة في إطار وحدة الأراضي الإيرانية؛ ليكون هذا المستقبل هو الرد الحاسم على كهنوت الملالي وصراعاتهم المخزية.

السابق
مجلس التعاون الخليجي: سياسات إيران العدائية «تهدد السلم الإقليمي والدولي»
التالي
بالفيديو: إسرائيل تنفّذ تهديدها في الخرايب… وسلسلة استهدافات تمتد من النبطية إلى صور