جدة وحفيداها اليتيمان يكاد يقضي عليهم الفقر المدقع

تجول منيرة (إسم مستعار) في أروقة الشوارع، تبحث عن عمل في هذا الدكان وفي ذلك المحل التجاري، لا تشترط على رب العمل راتباً معيناً أو ساعات محددة من العمل، تؤكد لجميع من تلقاه أن بإستطاعتها مزاولة الكثير من أعمال التنظيفات المنزلية والمكتبية، وكل ما قد تتطلبه المهنة المتوفرة، لكن عمرها الذي تجاوز الخمسين لم يعد يساعدها في إيجاد أي وظيفة.

ربيع ورهف.. شقائق النعمان
تعود منيرة الى منزلها خائبة منكسرة، يفتح لها حفيداها الباب وينظران الى يديها الفارغتين، لا أكياس خضار أو فواكه، لا شيئ من الأطعمة التي يشتهيانها، يكتفيان بإستقبال جدَّتهما بحرارة ويسرعان الى الداخل ببطونهم الجائعة التي كانت تأمل من أصحاب الخير الكثير، لكن ليس كل ما يتمناه ربيع ورهف(إسمان مستعاران) يدركانه، حيث تجري ضمائر الناس بما لا تشتهي سفن هذين الطفلين اليتيمين.
من الصعب أن تجد عبارات مناسبة لتبدأ بها قصة الجدة منيرة وحفيديها، لكن يمكن القول أن مشيئة القدر شاءت أن يخسر (ربيع ورهف) والديهما، حيث توفي الوالد بجلطة أصابته، تبعته زوجته بعد ست سنوات، حيث أصابها مرض خبيث أبعدها عن ولديها، اللذين لم يبق لهما الا جدة تعمل جاهدة لاجلهما وتواجه ظروف حياة قاسية جداً لتأمن لهم متطلباتهما الأساسية.

خذلان القريب والبعيد
تتحدث منيرة عن خذلان عاملها به أقرب الناس إليها، عن أبواب طرقتها بدون أن تحصل على أي جواب، تذكر “ليال نام فيها هذان الطفلان جائعان، وأيام أخرى رأت حفيدها يعاني آلاماً حادة من غير أن تستطع ان تنقله الى المستشفى أو أن تبتاع له حبة دواء، عن عيد مر على حفيدها من غير أن تفلح بشراء قطعة ثياب جديدة تدخل بها السرور على قلبيهما الذي تحمل مصاعب وآلام لا يتحملها الكبار”.
موقف عائلة الوالد لم يكن مشرفاً جداً، بإستثناء الجدة التي كانت تقدم لحفيديها مبلغا يُقدر بمئة دولار أمريكي شهرياً، ولكن ما لبث هذا المبلغ أن توقف بعد وفاة الجدة، فلم تساعد العمة الميسورة جداً مادياً أولاد أخيها الراحل بحجة أن زوجها لا يرضى بذلك، دون أن ننسى موقف العم الذي باع سيارة أخيه العمومية بعد وفاته مباشرة وسافر الى الخارج بحثاً عن لقمة عيشه وترك أفواه أولاد أخيه مشرعة للهواء.
ومنذ تلك اللحظة أخذت الحاجة منيرة على عاتقها مسؤولية إعالة طفلي فقيدتها، لجأت الى بعض الجمعيات الخيرية التي طلبت منها قبل كل شيء بعض المستندات الرسمية من إخراجات قيد جديدة وشهادات وفاة وغيرها، التي ستكلف الحاجة ما يقارب المئة ألف ليرة، وهي لا تملك ألفاً واحداً في جيبها، فصرفت النظر عن ذلك واتبعت طريقة “التقسيط الممل” كطريقة لجلاء أمور معيشتها ومعيشة حفيديها.

حياة بالتقسيط!؟
ما إن تسأل السيدة الخمسينية هذه عن طريقة سدادها للمترتبات المالية التي تقع على عاتقها حتى تبادرك بالقول: “بالنسبة لبدل إيجار المنزل، إبن شقيقتي يدفع لي مئة دولار والباقي أقسطه لصاحب المنزل على دفعات، أما بالنسبة لقسط تسجيل الأطفال في المدرسة الرسمية، فأقترضه من زوج إبنتي الذي لا يختلف حاله كثيراً عن حالنا، وأعود وأقسط له المبلغ على دفعات،وهكذا دواليك ليشمل التقسيط كل شيء، الخضار، الفواكه، المياه، وحتى الكتب المدرسية والأدوية..”.
“ما إلنا غير الله”. هكذا تستنجد منيرة بربها من عباد تناسوا أن خدمة الناس أفضل العبادة، وأن ما يرمى من بقايا طعامهم في المهملات يكفي لإطعام عائلات كثيرة كعائلة الحاجة منيرة، التي تنتظر عطف بعض المحسنين، عطف متمثّل بنقود زهيدة جداً، تحاول منيرة أن تشتري بها طعاماً يسد جوع حفيديها أو لتشتري ظرفاً من المسكّن لربيع الذي يعاني من نقص في النمو وتأخر في عمر العظم بنسبة ثلاث سنوات، ربيع الذي يحتاج أحياناً كثيرة الى دخول المستشفى بسبب صمام مغلق في قلبه وما يسببه من تداعيات، إلا أن “العين بصيرة واليد قصيرة”.
وليس بمقدورك أن تنسى رهف، إبنة الثلاثة عشر ربيعاً، التي لم تعش طفولتها كغيرها من فتيات جيلها، دائمة القلق على أخيها، وتشعر دائماً بأنها المسؤولة عن أمنه وأمانه، لا يفوتها موعد أخذه للدواء، ولا موعد دراسته وكيفية إتمامه لواجباته، تحضنه كولد مشتاق الى حضن أم دافئ والى رعاية أب.
هذه القصة ليست من محض الخيال، وليست أسطرا إبتكرها أحد، هذه قصة واقع نعيشه وتعيشه عائلات يومياً، قصص عائلات تعيش على هامش كل شيء، قصة أطفال تموت على أبواب المستشفيات، قصة بطونهم الجائعة ودموعهم المنهمرة، قصة بيوت فقيرة داخل العديد من الأحياء الشعبية الأكثر فقراً، قصة تقرع أبواب الضمائر النائمة، قصة سيدة عجوز تحدت الدنيا من أجل حفيديها، قد تضعف يوماً، لكنها لا تلين، قد تنحني للحياة أمام ضغوطها، لكنها لا تنكسر.

السابق
صيدا تكرّم الفنّان الراحل فؤاد جوهر
التالي
الجسر : ليشمل القرار1701الحدود بين لبنان وسوريا