أنصبة على مداخل قرى الجنوب: احتلال المكان وأهله

نُصب
دوار باطون باللون الاصفر او البيج او الاخضر الفاقع يتسقبلك عند مدخل بلدتك. فتسأل: هل هو علامة على أنّنا دخلنا البلدة أم ماذا؟ هل هي دليل تعريفي؟ لا إنّها أعمال باطونية بعيدة عن أيّ جمالية. بمثابة مكتب حزبي أو مخابراتي، كتلك المكاتب السورية في بيروت والجبل، والإسرائيلية في الجنوب سابقا، يجب أن تمرّ عليه قبل أن تطأ قدمك أرض بلدتك الجميلة. هو نصب تذكاري، لكن بمفعول "احتلاليّ" للمكان ولنفوس أهله والعابرين تحته.

عند مدخل كلّ قرية شيعية في الجنوب يستقبلك نصب تذكاري. منها نصب تذكاري تقيمه حركة أمل لشهداء البلدة في كلّ قرية تسيطر عليها، خصوصا في مناطق الزهراني ومحيطها.

في المقابل تُحرَم بعض القرى من هذه الأنصبة بسبب الاختلاط الديني والمذهبي. وهناك أنصبة تكريمية لأبناء البلدة الذين قتلوا في مواجهة العدو الاسرائيلي على مداخل بلدات كثيرة.

قد يقول قائل إنّه اعتراف بالجميل لمن جعلنا ندخل بلداتنا آمنين.

لكن لنتمهّل قليلا: فهذه الأنصبة التذكارية هي صبَات باطون مستطيل أو مربع أو دائري لا أكثر ولا أقلّ. تحتلّ صور هذا الزعيم أو ذاك هذه المساحات الباطونية. وتجاور صور الزعيم شعارات حزبية خاصّة بعيدا عن أيّ جمالية فنية.

هي قمة في البشاعة والبعد عن الفنّ. إلى درجة أنّ هذه المحطة التي يجب أن تفرحنا بصور شهدائنا، الذين لم ننسهم، باتت تشكّل مصادرة وتعريفا لهذه البلدة بجملة مستترة: “نحن هنا”. أي أنّ هذه القرية تحت سيطرة هذا الحزب أو هذه الحركة، وتحت سطوتها ومعاهدتها. أو قل “مصادرتها”.

لنتفق أوّلا على أنّ الجنوب لنا جميعا. وهو ساحتنا وأرضنا. وهؤلاء، وغيرهم طبعا، هم شهداؤنا كلّنا وليسوا شهداء حزب أو حركة. ولكن إذا قلنا إنّ صور هؤلاء وأنصبتهم تزعجنا فهذا لا يقلّل من احترامنا لهم. فالصورة غير الشهيد، والنصب لا علاقة له أحيانا بالشهيد.

ولماذا يحاول هذا التنظيم أو ذاك تخليد الشهيد بصورة؟ ما هذه النظرة الممجوجة للخلود؟ خصوصا أنّه شيئا فشيئا يتحوّل النصب إلى محطة للمتنقّلين بين هذه القرية وتلك، أو محطة للانتظار، أو لترك النفايات عند كعب النصب في غياب حاويات النفايات.

وغالبا ما تتكاثر الأنصبة حين يروح أحد أغنياء البلدة يتبرّع بإقامة نصب جديد، مانحا المعنيين والمولجين، من حركة أمل وحزب الله، حرية التصرّف بها دليلا على وفائه.

وقد تبادر البلدية طبعا إلى إقامة نصب بدل أن تبني مقاعد على الأرصفة ليرتاح المارّة أو العجائز أو العمال من حرّ الشمس أو هطول المطر. فقط لتخلّد أعمالها التجميلية وليبقى اسم رئيسها محفورا إلى الأبد أمام أعين الأهالي على أنّ النصب أنجز برعايته.

بالتأكيد يوجد في الجنوب العشرات بل المئات من الفنانين، والنحاتين، والتشكيليين، والمتخصّصين بالفنون. فمن بنى القصور وأشادها بأجمل ما تكون لن تعصى عليه إقامة أنصبة جميلة باسم الشهداء الذين هم من أجمل خيطان ذاكرتنا الجنوبية.

بالطبع البلديات والمتموّلون لا يهمهم من الأنصبة هذه إلا ذكر أسمائهم وأسماء مفتتحي الاعمال الإنشائية، وأسماء أحزابهم التي يسعون لإرضائها بشتّى الوسائل لأنّها هي التي نصّبهتم في هذا المنصب البلدي أو ذاك.

دوار باطون باللون الاصفر او البيج او الاخضر الفاقع يتسقبلك عند مدخل بلدتك. فتسأل: هل هو علامة على أنّنا دخلنا البلدة أم ماذا؟ هل هي دليل تعريفي؟ لا إنّها أعمال باطونية بعيدة عن أيّة جمالية. بمثابة مكتب حزبي أو مخابراتي، كتلك المكاتب السورية في بيروت والجبل، والإسرائيلية في الجنوب سابقا، يجب أن تمرّ عليه قبل أن تطأ قدمك أرض بلدتك الجميلة. هو نصب تذكاري، لكن بمفعول “احتلاليّ” للمكان ولنفوس أهله والعابرين تحته.

السابق
جان عبيد: لست مرشحا حتى الآن لغياب الفرصة المؤكدة
التالي
أزمة مياه على أزمة صيانة في الجنوب