ميقاتي يعزز نهج الوسطية

بقدر الخسائر السياسية البالغة التي يمنى بها «تيار المستقبل» و«فريق 14 آذار»، نتيجة تطرفه واستعدائه قوى وشخصيات وازنة لمجرد اعتمادها خيارا سياسيا مختلفا، يراكم الرئيس نجيب ميقاتي رصيدا، نتيجة خيار الوسطية السياسية الهادئة التي اعتمدها، حيث اثبتت الوقائع نجاحه الملحوظ في ادارة الحكومة وتوازناتها وحسن التعاطي مع ملفاتها وتحديد اولويات عملها على مختلف الصعد، من دون ان يكسرها مع أي طرف لا داخل الحكومة ولا حتى مع القوى البرلمانية المعارضة. ولعل مشروع تطوير قطاع الكهرباء كان خير دليل. كما انه مد خطوط التواصل مع شخصيات وازنة ومؤثرة في شارعها وبعلاقاتها الخارجية، ونسج معها تحالفات علنية وضمنية او تحالفات ولدت طبيعيا بحكم تلاقي القناعة والممارسة بين اطرافها.
وفي هذا السياق، يقع التلاقي الطبيعي لا بل التحالف المتين، بين ميقاتي والنائب وليد جنبلاط، ولو من باب المصلحة المشتركة للطرفين احيانا، فكما ميقاتي، اختار جنبلاط تجنب الصدام مع أي طرف، والمضي في مشروع تعزيز حضور الحكومة ودعم مشاريعها وبرنامجها، وبالتالي اصطف الى جانب ميقاتي في محاولة تدوير الزوايا وتكريس الحوار بدل الصدام والاصطفاف السياسي والطائفي والمذهبي.
وقد اقام النائب جنبلاط امس الاول في دارته بكليمنصو، مأدبة عشاء تكريمية لميقاتي، تكريسا للتحالف بينهما، وهو امر من شأنه ان ينعكس بتعزيز رصيد ميقاتي حكوميا وسياسيا، في محاولة لاستكمال الكيمياء القائمة بين جنبلاط وميشال سليمان وجنبلاط والرئيس نبيه بري كما بين ميقاتي من جهة وسليمان وبري من جهة ثانية..
كما اختار مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني الخيار ذاته، وسعى داخل الطائفة السنية الى تكريس الوسطية خيارا للتلاقي بدل الاختلاف، مع ان ذلك كلفه حملة غير مسبوقة ضده من قبل اكبر تيار سياسي سني، ومع ذلك تمكن المفتي من الدفاع عن وجهة نظره الوسطية، لا سيما حيال طريقة تعامله مع رئيس الحكومة «السني» ومع مؤسسة مجلس الوزراء وسائر مؤسسات الدولة، باعتبارها المرجعية لإدارة شؤون الدولة والعلاقات بين الاطراف اللبنانية.
وجاء موقف البطريرك الماروني بشارة الراعي، ليضع البطريركية المارونية على مسافة متساوية من الجميع، في محاولة لكسر الاصطفافات الحادة، علما أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان بانتمائه للمدرسة ذاتها، يكمل مع ميقاتي والاخرين الحلقة القوية التي تتوسط عقد اللعبة السياسية اللبنانية المعقدة، فتمسك حباته فلا ينفرط نهائيا.
وتقول اوساط ميقاتي لـ«السفير» انه اختار عن قناعة شديدة الوسطية نهجا ثابتا منذ ان اشتد الاصطفاف الداخلي وتحول الى انقسام خطير، ولعل الاخرين اعتبروا هذا الخيار مدخلا لحل الكثير من المشكلات القائمة في البلد، وسبيلا لتراجع حدة التشنج، وباباً طبيعيا يبقى مفتوحا لولوج الحوار عندما تتعثر المصالحات ويتعذر التلاقي، ويتداعى الجميع إلى لم ّ المشكلات من الشارع ونقلها الى المؤسسات الدستورية.
وتعتبر اوساط ميقاتي، «ان خيار الوسطية كان هو الخيار الثالث الذي اثبت نجاحه حتى الان في ضبط الكثير من المشكلات ومنع تفاقمها، لأنه يخلق التوازن بين التيارات السياسية المختلفة، ويوفر حدا ادنى من الاستقرار السياسي والامني الذي ينعكس على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي للناس».

السابق
حماس تدعو عباس إلى التراجع عن التوجه للأمم المتحدة لطلب عضوية الدولة
التالي
الشباب البلدي في حارة حريك يبحث خطر المنشطات