يرى مصدر دبلوماسي عربي في لبنان، يُكِنّ احتراماً “خاصًا” لـ”حزب الله” ولتجربته “المُقاومة”، أن مسؤولية الحزب كانت وتبقى مضاعفة في مواجهة الأزمة القائمة اليوم في لبنان، وإزاء ما يواجهه من تحديات في ظل تداعيات الصراع السوري، وذلك لأسباب عدة.
وانطلق المصدر عينه من “التاريخ المجيد لحزب الله ومنطقه القانوني خلال التسعينات عبر دوره المقاوم للاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية، ما سمح للبنان أن يلعب دوراً تاريخياً أيضاً في المحافل الرسمية للدفاع عن مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقّها في الدفاع عن نفسها ضد الاحتلال الأجنبي لأراضيها الوطنية. وفي تلك المرحلة كان هناك حوار دولي لبناء نظام دولي جديد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء ما كان يمكن دائماً أن يشعل الحرب العالمية الثالثة”.
ولفت المصدر إلى أن “الولايات المتحدة سعت وبموافقة ساحقة من كل أعضاء المجتمع الدولي، بما في ذلك الصين والاتحاد الروسي والبرازيل والمكسيك والجزائر ـ التي كانت تتهم حزب الله بالإرهاب ـ وغيرها من الدول العربية، إلى تفسير ميثاق الأمم المتحدة من خلال إعلان الذكرى الخمسين للمنظمة الدولية (1995). وهي كانت تريد اسقاط حق الشعوب بمقاومة الاحتلال وحق تقرير المصير، وقد وافقت آنذاك روسيا والولايات المتحدة والهند والصين وغيرها خوفاً من أن تعمد الحركات الانفصالية أو حركات التحرير في بلدانها إلى تقليد حزب الله”.
وأشار المصدر إلى أن “الدبلوماسية اللبنانية، وعدداً من الدبلوماسيين العرب والمسلمين، تصدوا آنذاك لهذه المحاولة، وتمكّنوا فعلاً من إحداث تغيير تاريخي، ليس لأنهم كانوا يملكون القوة بل لأنهم كانوا يملكون حق الفيتو في هذا الموضوع بالذات. بسبب الفيتو هذا تم وضع إصلاح لمشروع الإعلان الذي صدر لاحقاً بمناسبة الذكرى الخمسين للأمم المتحدة، أمكن من خلاله الحفاظ على هذا الحقّ المزدوج”. وتعتبر المصادر أن “حزب الله بصفته المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، والمدعوم في حينه من الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس رفيق الحريري وكل فئات المجتمع اللبناني، استطاع وضع بصمة تاريخية في القانون الدولي ربما من دون أن يدري، واستكملها ببصمة تاريخية ناصعة ستبقى دائماً لكل الأجيال، وذلك عندما تمكن من هزم اسرائيل وطردها من الأراضي اللبنانية عام 2000”.
وتضيف المصادر الدبلوماسية: “حبّذا لو ظل حزب الله ذلك السيف المسلط بدعم كل الشرائح اللبنانية ضد إسرائيل، ولم يتحوّل إلى حزب سياسي يعمل على تطبيق إيديولوجيا سياسية خاصة. ربح الحزب الحروب وخسر النتائج. دماء الشهداء وُضعت في سلة سياسية بدل أن تظل مشعلاً يضيء للبنانيين درب العزة والكرامة ويضيء للعالم طريق الدفاع عن حقوقهم في مقاومة الاحتلال وفي تقرير المصير”.
وتعتبر المصادر أنه “لا يوجد طالب واحد في العالم يجرؤ اليوم على أن يعتمد تجربة حزب الله المقاوم، إذا أراد إعداد كتاب في القانون الدولي عن حقّ الشعوب بمقاومة الاحتلال. ثمّة قناعة راسخة أن الحزب هو مجموعة إرهابية. فالإعلام الدولي وضعه في هذه الصورة. ضاع لونه المقاوم شئنا أم أبينا. ولو أمكن للولايات المتحدة وضع حزب الله على لائحة الإرهاب في مجلس الأمن في أوائل الألفية الجديدة ما تأخرت، وهي كانت تعمل لهذا الأمر”.
وتقول المصادر بلهجة لا تخلو من العتب: “اليوم لم يعد حزب الله يشكل خطراً استراتيجياً للولايات المتحدة، ولذلك لن تذهب الى الأمم المتحدة. لقد تم اتهام الحزب بالإرهاب في بلغاريا ولم تذهب إلى مجلس الأمن، لماذا؟ لأنّها تعلم أنه تحوّل إلى طرف سياسي يلعب دوراً خادماً لمصالح نظام أو أنظمة في المنطقة، وكذلك لقوى دولية، ولم يعد هو الفاعل بل صار أداة في يد غيره، وصار بالتالي الحوار معه غير هام، لأنه يمكن الحوار مع من هو خلفه للجمه وإسكاته. لقد سقطت المقاومة في الفخ ودمجت بين دورها كمقاومة ودورها كحزب سياسي”.
وترى المصادر ذاتها أن “ما جرى في سوريا له أهداف متعدّدة، بعضها غاية في التطرف وبعضها معتدل، لكنه يهدف بالنهاية الى التخلص من الفكر الأيديولوجي الذي هو تراث وإرث من العهد السوفياتي البائد. ومن بين ذلك التراث المبادئ المتعلقة بحق الشعوب بتقرير المصير. لم تتمكن الولايات المتحدة ولا الاتحاد الروسي من إسقاط ذلك الشعار والحق القانوني الدولي المشروع في الأمم المتحدة بسبب الفيتو، لكنهما تمكّنا معاً من إسقاطه في الشارع عندنا، وتحديداً في سوريا التي وقفت بوجههما في حينه، وباليد التي ضربت مخططهما في حينه أي يد حزب الله. لم يقرأ حزب الله المعطيات الدولية بدقّة”.
وتتابع المصادر الدبلوماسية العربية: “نعم الحزب يرفع شعار الدفاع عن المقاومة في حربه في سوريا، لكن لا أحد أبداً في العالم ينطلق من الأساس القانوني الدولي يقبل بهذا الطرح. فللمقاومة مبدأها في قواعد القانون الدولي. لقد خرج الحزب كلياً عن هذه القواعد ولم يعد من الممكن الدفاع قانونياً عنه وعن دوره. كل دفاع حالياً عنه هو دفاع سياسي لا وقع قانونيًا فاعلًا له”.
وتؤكد المصادر أنه “كان من الضروري تحييد لبنان والحفاظ على دوره النموذجي في التعايش بين السنّة والشيعة والمسيحيين وغيرهم، لإثبات أن الموقف المبدئي من حقوق الشعوب في تقرير المصير والمقاومة ضد الاحتلال هو موقف ضمير وموقف حقوقي، لا طابع طائفيًا له. إسرائيل حاولت دائما أن تسم المقاومة بالطائفية والمذهبية ففشلت بسبب الدعم اللبناني الجامع للمقاومة. لكن ما يجري اليوم أعطاها المصداقية أمام الرأي العام الدولي”.
وتختم المصادر بالسؤال: “فهل ينصت حزب الله لهذا الحرص عليه؟ وهل يمكن له أن يقدّم قراءة مخالفة لهذه الرؤية؟ الكرة الآن في ملعبه ولدى مسؤوليه والجهات المعنية فيه”.

