إيران المأزومة..«عليّ وعلى أعدائي»!

تيما رضا

منذ عقود، تُقدّم إيران نفسها حارسة “تحرير القدس”، وعرّابة القضية الفلسطينية الأكثر حرصاً عليها من أهلها. لكن كل مرة تدخل فيها طهران مواجهة حقيقية، تجد دول الخليج، لا إسرائيل، في مرمى صواريخها. فإذا كانت هذه الصواريخ قادرة، وفق الخطاب الرسمي، على تدمير إسرائيل، فلماذا يتكرر توجيهها نحو الكويت والبحرين والسعودية والإمارات؟ حين يتّجه السلاح نحو الجار بدل العدو المعلن، يسقط الشعار ويظهر السؤال الحقيقي: من هو العدو في حسابات إيران؟

لماذا تضرب ايران دول الخليج؟

غالباً ما يأخذ التحليل السياسي بعداً وجودياً وفلسفياً تضيع فيه الإجابات عن أسئلة بديهية وربما ساذجة في الطرح. الأسئلة التي تطرح نفسها في تجدد الضربات بين الولايات المتحدة وإيران: لماذا تقوم إيران بضرب الخليج بذريعة القواعد الأميركية ولا تقوم بضرب إسرائيل، العدو الأبرز لها في المنطقة والحليف الأول للولايات المتحدة؟ هي التي طالما تغنت بأنه يمكنها إزالة الكيان في 7 دقائق ونصف عن الخريطة؟ وما الذي ترتكز عليه طهران في حربها هذه لمعاداة كل محيطها؟ لماذا لا تقصف إيران السفن الحربية الأميركية؟

إذا كانت هذه الصواريخ قادرة، وفق الخطاب الرسمي، على تدمير إسرائيل، فلماذا يتكرر توجيهها نحو الكويت والبحرين والسعودية والإمارات؟

ضرب إيران لمحيطها الخليجي ليس عشوائياً، بل حساب بارد: القرب الجغرافي يجعل الكلفة أقل من مواجهة التفوق الجوي والاستخباراتي الإسرائيلي مباشرة، والحرب بالوكالة عبر الأذرع أقل كلفة من حرب مفتوحة، ومراهنة إيرانية على عدم قدرة دول الخليج على الصمود في وجه الضربات المتتالية، وهي نابعة من أن معظم هذه الدول بنيت على الأمان والاستقرار والازدهار الذي تقدمه للمقيمين فيها، وبالتالي من البديهي أن تكون حسابات دول الخليج مختلفة كلياً عن حسابات طهران التي تخوض المعركة على قاعدة “أنا ومن بعدي الطوفان”.

الرهان هنا على أن دول الخليج ستضغط على الولايات المتحدة خوفاً على بناها التحتية ومصادر دخلها ونموها الاقتصادي، وهو منحى يختلف كلياً عن العقيدة الإيرانية التي تقوم على أن التضحية أو شقاء الشعوب وبلائها جزء من النضال العقائدي الذي ستتم مجازاته خيراً في الدنيا أو في الآخرة. الخليج في معادلة إيران ليس هدفاً بقدر ما هو رافعة: كل صاروخ يسقط قرب منشأة نفطية رسالة إلى الأميركيين مفادها أن الاستمرار في محاصرة إيران سيكلّف حلفاءهم قبل أن يكلّفها هي.

رفع الشعارات الشعبوية

الحرب على إيران، التي أتت كحلقة من سلسلة طوفان الأقصى وحرب الإسناد اللبنانية التي أدت إلى تدمير لبنان وسقوط بشار الأسد، كشفت الخريطة الحقيقية للذهنية الإيرانية، إذ أظهرت وبشكل صريح أن هاجس إيران الفعلي، منذ قيام الجمهورية الإسلامية، لم يكن تحرير القدس، بل بناء منظومة دفاع أمامية تحمي النظام الإيراني نفسه، ولو على حساب من رفعت باسمهم الشعارات الشعبوية. فصُممت الأذرع الإيرانية في المنطقة، من حزب الله إلى الفصائل العراقية والحوثيين، كخطوط دفاع متقدمة عن طهران، لا جبهات تحرير. وما يعزز هذا اليوم أن إيران نفسها تعيش أزمة وجود لا تحرير: صراع داخلي متصاعد بين مكتب المرشد ومؤسسات الدولة وقيادات الحرس الثوري، وسط غموض حول موقع المرشد “المنتظر ظهوره” مجتبى خامنئي، وصعود لافت لقائد الحرس أحمد وحيدي كمركز قرار موازٍ. نظام يتصارع على من يمسك قرار الحرب داخلياً، لا وقت له فعلياً لمشروع تحرير أي أرض، وبشكل خاص القدس، التي لم تعد تذكر حتى في البيانات.

الخليج في معادلة إيران ليس هدفاً بقدر ما هو رافعة: كل صاروخ يسقط قرب منشأة نفطية رسالة إلى الأميركيين مفادها أن الاستمرار في محاصرة إيران سيكلّف حلفاءهم قبل أن يكلّفها هي.

العراق: الحديقة الخلفية

وتعمل إيران بجهد على الحفاظ على هذه المواقع الأمامية، من فرضها بالقوة نفسها كمفاوض باسم لبنان رغماً عن الشرعية اللبنانية، إلى فرض العراق كامتداد لجمهورها، وهو ما حاولت إثباته في تشييع علي خامنئي على الأراضي العراقية كمشهد استعراضي بوجه واشنطن التي تعمد إلى تضييق العمق الإقليمي لإيران من أكثر بواباته حساسية: العراق. وهو ما دفع بإيران إلى المجاهرة في رفضها زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن، وتوقيعه عشرات الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية التي تحمل رسالة مباشرة إلى طهران بأن بغداد قد لا تبقى إلى الأبد ساحة نفوذ مضمونة. وما يقلق إيران ليس شخص الزيدي، بل احتمال نجاحه في إعادة العراق إلى منطق الدولة بعيداً عن مظلة الفصائل الموالية لها، وبالتالي خسارة العراق كحديقة خلفية للامتداد الإيراني.

إيران أعلنت انتصارها الساحق على الولايات المتحدة وإسرائيل بُعيد توقيع مذكرة حسن النوايا برعاية إسلام آباد، قبل أن تعود وتتراجع عنها مستخدمة عبارة “تعليق العمل بمذكرة التفاهم”، تاركة الباب موارباً لاحتمالية العودة إليها. وفجأة باتت مذكرة “الانتصار” “تجربة مريرة من خيانة ونقص” بنظر “المرشد المنتظر”، بحسب ما ورد في أحد المواقع الإخبارية التابعة للمحافظين في إيران. وبعيداً من التهديد بإغلاق باب المندب ومضيق هرمز وتحريك أذرعها في المنطقة، يبدو أن الورقة الأقوى التي لا تزال إيران تتمسك بها هي قاعدة “عليّ وعلى أعدائي”: لم يعد لديها ما تخشى خسارته، فتصعّد حيث تستطيع، وتُبقي مضيق هرمز مقفلاً، وتُظهر قوتها النارية في الخليج، لا لأنها تثق بقدرتها على حرب شاملة، بل لأنها تسابق الزمن قبل أن يُطبق عليها الحصار. فهل ما نشهده اليوم مؤشر ردع حقيقي، أم صرخة نظام يعرف أن الوقت لم يعد في صالحه؟

السابق
سلام ترأس الاجتماع الوزاري الاسبوعي.. هذا ما تم بحثه
التالي
علي الأمين: تعقيدات الشروط الإسرائيلية تؤخر التواصل العسكري وتفرض واقعية في مقاربة المرحلة