في الوقت الذي تحترق فيه المنطقة، يبدو أن طهران تقصف بالضبط حيث يريد نتنياهو…
تقرير مسرّب يكشف غضباً شعبياً غير مسبوق، وقراراً بالتصعيد بدل الإصلاح.
فهل توسّع إيران الحرب لتنجو داخلياً… حتى لو كان الثمن هو خدمة أهداف إسرائيل؟
تقرير حكومي سري يرصد انهيار الثقة الداخلية، بينما يرد الحرس الثوري بتوسيع الجبهات وقصف الخليج.
تقرير “ماذا تريد إيران؟” الذي نشرته BBC News يفضح الأزمة: 9 من كل 10 إيرانيين يريدون التغيير.
وردّ النظام كان بتوسيع الحرب، وإسقاط التفاهم، وقصف دول الخليج.
السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه: هل هذا ما تريده إسرائيل بالضبط؟
ما الذي تريده إيران؟
تسعى إيران أيضاً إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مهيمنة من خلال إبعاد التهديدات العسكرية المباشرة عن أراضيها، وكسب مساحات تفاوضية واسعة لرفع العقوبات الاقتصادية عنها، وتثبيت شبكة نفوذها العابرة للحدود.
وتعتمد طهران سياسة التصعيد المدروس للضغط على الغرب، بينما تواجه تحديات داخلية كبرى تتمثل في تصاعد الغضب الشعبي والأزمة الاقتصادية.
ويمكن تلخيص الأهداف الإيرانية في المحاور التالية:
* تريد إيران أن يعترف المجتمع الدولي والقوى الكبرى بمصالحها ونفوذها الجيوسياسي في المنطقة (مثل العراق وسوريا ولبنان)، وتأمين ممرات نفوذها عبر ما يُعرف بـ”محور المقاومة” كأوراق ضغط استراتيجية.
* تسعى طهران للوصول إلى تسوية سياسية تجبرها على التنازل بالحد الأدنى مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية الخانقة، مع الحفاظ على برنامجها النووي وبرامجها الصاروخية ومواقعها الحيوية.
* تهدف إيران إلى إبقاء أي صراع (خاصة مع إسرائيل والولايات المتحدة) خارج حدودها من خلال استخدام وكلائها، واستراتيجية “الغموض الاستراتيجي”، والضغط على دول الجوار.
* مع تزايد التقارير الداخلية الرسمية التي تؤكد تصاعد الغضب الشعبي، تسعى السلطات، تحت إدارة الرئيس مسعود بزشكيان، إلى تحسين الأوضاع المعيشية والحد من الاستياء الداخلي، وقمع المعارضة والاحتجاجات لضمان بقاء النظام.
التقرير السري: غضب شعبي غير مسبوق
“ماذا تريد إيران؟”.. تقرير سري سُرّب هذا الأسبوع من مكتب الرئيس الإيراني كشف أن معدل الغضب الشعبي وصل إلى أعلى مستوى مسجل بين دول العالم.
التقرير، الذي أعدّه المستشار الاجتماعي لبزشكيان، ونشره موقع “إيران واير”، يكشف أن تسعة من بين كل عشرة إيرانيين يطالبون بالتغيير.
التوصية الرئيسية لهذا التقرير لم تتمثل في معالجة جذور الاستياء، بل ركزت على كيفية “إدارة” غضب المجتمع.
الوثيقة المسرّبة أُعدّت تحت عنوان **”ماذا تريد إيران؟”**، وحصل عليها موقع “إيران واير”، وصاغها علي ربيعي، المستشار الاجتماعي للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
واعتمد ربيعي، رجل الاستخبارات والمتحدث الحكومي السابق، في إعداد تقريره على نتائج استطلاع للرأي أُجري في شهري أبريل ومايو 2026 من قبل مركز البحوث “آرا”.
التقرير المسرّب يغطي فترة الاحتجاجات التي قتلت قوات الأمن خلالها عشرات الآلاف من المتظاهرين في غضون أيام قليلة.
كما تزامن الاستطلاع مع الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهي الحرب التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي
ماذا يريد كل طرف من الحرب؟
لا يتوقف الأمر عند السؤال: ماذا تريد إيران فقط؟ بل يتعداه إلى: ماذا يريد كل طرف من حرب إيران؟
بدت أهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذه الحرب غير واضحة إلى حد ما، إذ تأرجحت بين الاكتفاء بكبح البرنامج النووي الإيراني، وفرض الرضوخ الكامل لجميع المطالب الأميركية والإسرائيلية، وصولاً إلى إسقاط نظام “الجمهورية الإسلامية” بالكامل.
حتى الآن، لم ترضخ إيران، ولم ينهر نظامها، لكن قدراتها العسكرية تضررت بشدة بعد جولات متواصلة من القصف الدقيق والمتواصل.
كما لم تبدِ استعداداً لمناقشة تقليص أو إلغاء برنامجها للصواريخ الباليستية، ولا وقف دعمها لجماعات حليفة في المنطقة، مثل الحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان.
وفي التصور المثالي لواشنطن، ولعدد من حلفائها، تنتهي هذه الحرب بانهيار حكم “الملالي”، ليستبدل سريعاً بحكومة سلمية منتخبة ديمقراطياً لا تشكل تهديداً لشعبها أو لجيرانها. لكن حتى الآن، لا مؤشرات على تحقق ذلك.
أما السيناريو “الأقل سوءاً” بالنسبة للولايات المتحدة، فيتمثل في أن تدفع الضربات “الجمهورية الإسلامية”، كما جاء في تقرير أعدته BBC، بعد إضعافها، إلى تعديل سلوكها، ووقف إساءة معاملة مواطنيها، وإنهاء دعمها للميليشيات في المنطقة.
غير أن هذا أيضاً يبدو مستبعداً، لا سيما بعد وضع الحرس الثوري يده على القرار الإيراني، في ظل لغز حقيقة مجتبى خامنئي، وما إذا كان حياً أم ميتاً، ومن يدير إيران.
ومع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، والتعطل الجزئي في مضيق هرمز، وتزايد القلق داخل الولايات المتحدة من الانجرار إلى صراع مكلف جديد في الشرق الأوسط، يتوقع أن تتصاعد الضغوط على الرئيس ترامب لإنهاء هذه الحرب.
لكن سيكون من الصعب عليه تسويقها على أنها نجاح، إذا ما صمد النظام في طهران وبقي متحدياً دون أن يغير سلوكه.
إيران… تريد وقف الحرب ولكن بشروط
أما إيران، فتريد أن تتوقف هذه الحرب في أقرب وقت ممكن، لكن ليس بأي ثمن، أي ليس على حساب الرضوخ لجميع مطالب واشنطن.
وتدرك طهران أنها قد تمتلك “الصبر الاستراتيجي” الكافي لتجاوز ترامب في هذه الحرب، فضلاً عن أن الجغرافيا تصب في صالحها.
فإيران تمتلك أطول ساحل بين دول الخليج، ولديها القدرة على تهديد الملاحة، التي تمر عبرها، في الظروف العادية، نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، لفترة طويلة عبر مضيق هرمز.
وتقابل دعوة الرئيس الأميركي لدول أخرى للمساعدة في التعامل مع تداعيات حرب شاركت الولايات المتحدة في إطلاقها إلى جانب إسرائيل بقدر من التردد.
فالمملكة المتحدة، وأوروبا، ودول أخرى، متحفظة على تعريض قواتها البحرية للخطر عبر مرافقة السفن التجارية في المضيق، لا سيما أنها لم تدعم هذه الحرب منذ البداية.
ورسمياً، تقول إيران إن الحرب يجب أن تنتهي بضمانات قاطعة بعدم استهدافها مجدداً، كما تطالب بتعويضات عن الأضرار التي تقدر بمليارات الدولارات جراء الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية.
وربما تدرك طهران أنها لن تحصل على هذه المطالب، لكن يكفي قيادة الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري أن ينجوا من هذه الحرب ليقدموها، داخلياً وخارجياً، على أنها “انتصار”.
إسرائيل… الأقل استعجالاً لإنهاء الحرب
من بين الدول الثلاث المنخرطة في القتال، الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، تبدو إسرائيل الأقل استعجالاً لإنهاء هذه الحرب.
فهي تسعى إلى تدمير أكبر قدر ممكن من مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية، إلى جانب مستودعاتها، ومراكز القيادة والسيطرة، ومواقع الرادار، وقواعد الحرس الثوري.
وبطبيعة الحال، يمكن إعادة بناء هذه القدرات بعد توقف القتال، لذا تريد إسرائيل أن تدرك إيران أن الكلفة ستكون باهظة، وأن سلاح الجو الإسرائيلي قادر على العودة بعد بضعة أشهر واستهدافها مجدداً.
وترى إسرائيل في الصواريخ الإيرانية وبرنامجها النووي المثير للشك تهديداً وجودياً.
فقد امتلكت إيران، أو كانت تمتلك حتى اندلاع هذه الحرب، صناعة محلية متقدمة للصواريخ والطائرات المسيرة، وقد زودت حليفتها روسيا بمسيرات “شاهد” التي استخدمت في أوكرانيا.
كما عملت على تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60 في المئة، وهي نسبة تتجاوز بكثير ما هو مطلوب للاستخدامات النووية المدنية.
وترى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن هذين التهديدين لا يمكن التعايش معهما.
غضب خليجي متصاعد
كانت دول الخليج العربية، السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان، تعتقد أنها قادرة على التعايش مع الجمهورية الإسلامية على الضفة المقابلة. حتى الآن.
لكنها تشعر بغضب عارم، إذ تتعرض لهجمات شبه يومية بطائرات مسيّرة وصواريخ إيرانية، رغم رفضها دعم هذه الحرب.
ومنذ الساعات الأولى للحرب، بدأت تنهال الصواريخ الباليستية الإيرانية على الدول الخليجية بأضعاف مضاعفة مقارنة بتلك الصواريخ التي تصل إلى إسرائيل.
وقال مسؤول خليجي مؤخراً: “تم تجاوز كل الخطوط الحمراء. ولا ثقة بيننا وبين طهران، ولا يمكن أن تكون هناك علاقات طبيعية معها بعد الآن”.
هل كان هناك تساهل أميركي؟
وهنا يفرض سؤال مركزي نفسه، متجاوزاً كل الاستراتيجيات والأسئلة الأخرى: هل كان هناك تساهل أميركي في الحرب مع إيران؟ ولماذا؟
قد يكون من مظاهر هذا التساهل الأميركي ما ظهر في مذكرة التفاهم، وذلك لتحقيق رغبة أميركية قديمة في احتواء دولة إيران، بما فيها من ثروات معدنية وبترول ومواقع استراتيجية.
وهذه الرغبة تقابلها أيضاً الرغبة الروسية القديمة التي عبّر عنها خروتشوف في أيامه، فقال: “إن إيران تفاحة مهترئة ستسقط في أيدينا يوماً ما”.
فقد يكون هذا التساهل نتيجة سباق عالمي بين الدولتين.
السؤال الذي يبقى بلا جواب
من الواضح أن انهيار مذكرة التفاهم يخدم موقف إسرائيل، الذي لم يتغير منذ البداية، وهو تغيير النظام الإيراني بالكلام، وخريطة الشرق الأوسط بالفعل.
فعلى العكس من تصريحات ترامب المتناقضة بشأن إيران، كان الموقف الإسرائيلي ثابتاً، رغم بعض الخلافات مع الولايات المتحدة، التي عبّر عنها نائب الرئيس الأميركي فانس.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا سعت إيران، وخصوصاً الحرس الثوري، إلى توسيع الحرب، وإدخال الخليج ودولاً أخرى، وإسقاط مذكرة التفاهم؟ أليس هذا هو بالضبط ما تريده إسرائيل قبل إيران؟

