لم يعد اللقاء المرتقب بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمستقبل لبنان السياسي وعلاقته بالإدارة الأميركية الجديدة، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتقاطع فيها الحرب مع الدبلوماسية، وتتداخل فيها ملفات لبنان وإيران وإسرائيل والخليج.
ففي الوقت الذي تطلب فيه واشنطن ضمانات واضحة بشأن تنفيذ القرارات اللبنانية، تحاول بيروت الحصول على ضمانات مقابلة تتمثل بدعم أميركي وعربي لتنفيذ هذه القرارات على الأرض، في معادلة جديدة عنوانها: المساعدة مقابل التنفيذ، والدعم مقابل الإصلاح والسيادة.
رسالة سعودية قبل لقاء ترامب
اللافت أن الاتصال الذي أجراه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس عون لم يكن بروتوكولياً، بل حمل أبعاداً سياسية واضحة، جاءت قبل ساعات من اللقاء المرتقب مع ترامب.
فإعلان الرياض دعمها الكامل للخيارات التي يعتمدها الرئيس اللبناني، وتجديد استعدادها لمساعدة لبنان اقتصادياً وسياسياً، يشكل رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى الداخل اللبناني بأن المملكة عادت لتواكب الدولة اللبنانية مباشرة، والثانية إلى واشنطن بأن لبنان الرسمي يحظى بغطاء عربي واسع في المرحلة المقبلة.
وتكتسب الدعوة التي وجهها الأمير محمد بن سلمان إلى الرئيس عون لزيارة المملكة أهمية إضافية، لأنها تؤشر إلى انتقال العلاقة اللبنانية – السعودية من مرحلة إعادة التواصل إلى مرحلة بناء شراكة سياسية واقتصادية جديدة، إذا نجح لبنان في استكمال مسار الإصلاحات وتنفيذ التزاماته.
واشنطن تريد ضمانات… لا وعوداً
المعلومات المتداولة عن لقاء عون بوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تكشف أن واشنطن انتقلت من مرحلة المطالبة بالإصلاح إلى مرحلة طلب الضمانات العملية.
فالولايات المتحدة لا تبدو مستعدة لتقديم دعم مفتوح، بل تريد التأكد من قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ما التزمت به، سواء لجهة بسط سلطة الدولة، أو تطبيق القرارات الدولية، أو استكمال المسار الأمني والسياسي الذي بدأ خلال الأشهر الماضية.
في المقابل، حمل الرئيس عون مقاربة مختلفة تقوم على أن تنفيذ هذه القرارات يحتاج إلى دعم سياسي وأمني ومالي دولي، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق لبنانية واستمرار الاعتداءات اليومية.
أما تصريحات روبيو، التي وصف فيها اللقاء مع عون بأنه “إيجابي للغاية”، فتؤكد أن الإدارة الأميركية تراهن على الرئيس اللبناني باعتباره الشريك الرسمي الذي يمكن التعامل معه، بعيداً عن حزب الله وإيران، وهو ما يعكس تحوّلاً واضحاً في طريقة مقاربة واشنطن للملف اللبناني.
المناطق التجريبية… اختبار الثقة الأول
ومن المرجح أن يحتل مشروع “المناطق التجريبية” موقعاً أساسياً في لقاء ترامب – عون.
فالطرح اللبناني يقوم على أن يبدأ أي تطبيق عملي بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة أولاً، قبل الانتقال إلى مراحل تنفيذية لاحقة، بما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار الكامل، ويعيد تثبيت السيادة اللبنانية.
أما إسرائيل، فتسعى إلى مقاربة مختلفة تجعل أي انسحاب مرتبطاً أولاً بإجراءات أمنية داخلية، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أكثر ملفات التفاوض حساسية.
الميدان يضغط على السياسة
لكن الدبلوماسية لا تتحرك وحدها.
فالجيش الإسرائيلي يواصل عملياته العسكرية جنوب لبنان، عبر تفجيرات واسعة، وغارات وهمية، وتحركات ميدانية تؤكد أن إسرائيل تريد إبقاء الضغط العسكري قائماً بالتوازي مع المسار السياسي.
وفي المقابل، تتسع المواجهة الإقليمية مع إعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، وتهديدات الجيش الإيراني بإغلاق مضيق هرمز أمام أي دولة تتعاون مع الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن لبنان يدخل لقاء واشنطن فيما المنطقة بأكملها تقف على حافة تصعيد قد يمتد من جنوب لبنان إلى الخليج العربي.
نافذة سياسية… قبل اتساع الحرب
في المحصلة، يبدو أن الساعات المقبلة ستكون من أكثر الساعات حساسية منذ أشهر.
فإذا نجح لقاء ترامب – عون في إنتاج تفاهمات عملية، فقد يحصل لبنان على فرصة سياسية جديدة تعيد تثبيت موقع الدولة اللبنانية داخل المعادلة الإقليمية، وتفتح الباب أمام دعم عربي ودولي أوسع.
أما إذا بقيت الضمانات متبادلة من دون آليات تنفيذ واضحة، فيما يستمر التصعيد العسكري جنوباً وتتوسع المواجهة بين إيران والولايات المتحدة في الخليج، فإن لبنان قد يجد نفسه مرة جديدة أسير تطورات إقليمية تتجاوز قدرته على التأثير فيها.
لهذا، فإن اللقاء في واشنطن لا يحدد فقط مستقبل العلاقة اللبنانية – الأميركية، بل قد يرسم أيضاً شكل المرحلة المقبلة في لبنان، بين خيار استعادة الدولة لدورها بدعم عربي ودولي، أو البقاء رهينة ميزان القوى الذي تفرضه ساحات الصراع المفتوحة في المنطقة.

