نعيش في هذه الأيام المباركة ظلال أيام عاشوراء الحزينة، حيث تتجدد في الوجدان الإنساني والرسالي ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء. هذه المناسبة التي لم تكن يوماً مجرد حدث تاريخي عابر، بل تحولت على مر العصور إلى مدرسة متكاملة للقيم، ومنطلقاً لرفض الظلم والاضطهاد. وفيما تضج الساحات والمجالس بالدموع والعبرات، يتأكد لنا عاماً بعد عام أن الحاجة الأشد هي للتحليل المعرفي والوعي المقاصدي لهذه الثورة، وهو التحدي الذي خاضت فيه قامات فكرية كبرى.
ويبرز في طليعة هؤلاء المجددين، الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله)، الذي قدم رؤية اجتهادية، حركية، وإصلاحية ثورية لقضية كربلاء، مخرجاً إياها من دائرة “الحدث المذهبي المغلق” أو “الطقس البكائي الصرف” إلى رحاب “النظرية الإنسانية والسياسية الشاملة” التي تبني المجتمع وتصون الأوطان.
نقد القراءات الغيبية والانتقال إلى “الوعي الحركي”
في كتابه التأسيسي “ثورة الحسين: ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية”، انطلق الشيخ شمس الدين من رؤية نقدية واضحة للقراءات السائدة التي كانت تختزل الثورة الحسينية في أبعاد غيبية بحتة، أو تصوّرها كقدرٍ محتوم كُتب على الإمام الحسين أن يساق إليه دون تفاعل مع المعطيات الواقعية.
يرى الشيخ شمس الدين أن تصوير الثورة كأمر تعبدي محض لا يقبل التعليل، أو كعملية انتحارية طلباً للشهادة الفردية، يُفرغ النهضة من محتواها الأسوة والقدوة. بدلاً من ذلك، قدم الشيخ قراءة تعتمد على التحليل السوسيولوجي والسياسي، معتبراً أن حركة الإمام الحسين كانت استجابة واعية ومدروسة للانحراف الهيكلي الذي أصاب الأمة. لقد انطلقت الثورة من فهم دقيق لواقع المجتمع الإسلامي آنذاك، والذي كان يعاني من نشوء طبقة أرستقراطية جديدة، واستشراء القمع، ومحاولات تزييف الوعي الديني عبر أدوات السلطة. الحسين في فهم شمس الدين لم يتحرك ليموت، بل تحرك ليمزق “شرعية الزيف” ويوقظ الضمير الشعبي المستكين.
مفهوم “الانبعاث” والأثر الروحي والاجتماعي
أحد أبرز المفاهيم التي صاغها الشيخ شمس الدين في تفسير نتائج عاشوراء هو مفهوم “الانبعاث”. فقد جادل بأن المقاييس العسكرية المباشرة التي قد تصنّف واقعة الطف كـ “هزيمة” هي مقاييس قاصرة؛ فالأثر الحقيقي للثورة تجلى في الهزة النفسية والأخلاقية الارتدادية التي أحدثتها في جسد الأمة.
قبل كربلاء، كان المجتمع يعيش حالة من التبلد والقبول بالأمر الواقع تحت وطأة الخوف والمصالح الشخصية. لكن دماء الحسين، بالطريقة المفجعة التي سفكت بها، كسرت حاجز الخوف وحطمت نظرية “الاستسلام للقدر السياسي”. هذا الانبعاث فجّر سلسلة من الثورات اللاحقة (كثورة التوابين وثورة المدينة وغيرها)، وتحول مع الزمن إلى “مخزون استراتيجي” للرفض والمقاومة في الوجدان الشيعي والإسلامي العام. عاشوراء، بهذا المعنى، هي التي حفظت للدين حيويته، ومنعت تحوله إلى مجرد أداة لتبرير سياسات الحكام.
ترشيد الشعائر الحسينية وعقلنة العاطفة
في كتابه الهام “أنصار الحسين: دراسة في حركية التنوع الإنساني في الثورة الحسينية” وفي فتاواه ومحاضراته، ركز الشيخ شمس الدين على ضرورة الموازنة بين العاطفة والعقل في إحياء ذكرى عاشوراء. لم ينكر الشيخ يوماً أهمية البكاء والحزن كوقود عاطفي يربط الأجيال بالقضية، لكنه حذر بشدة من غرق هذه المناسبة في “الفلكلور الطقوسي” أو الممارسات المشوهة التي تسيء لجوهر الثورة ونقائها المعرفي.
نادى الشيخ شمس الدين بـ عقلنة المنبر الحسيني وترشيده، داعياً الخطباء والمفكرين إلى تحويل مجالس عاشوراء إلى مؤسسات للتثقيف، والتوعية السياسية والاجتماعية، ونشر قيم العدالة والتكافل. كان يرى أن إحياء الحسين الحقيقي يكون بتمثل مواقفه في نصرة المظلومين، ومحاربة الفساد الإداري والسياسي في الحاضر، وليس فقط بالاستغراق في تفاصيل المأساة التاريخية دون ربطها بالواقع المعاش.
عاشوراء منصة للوحدة لا لتعميق الانقسام
من الإسهامات الإستراتيجية الرائدة للشيخ شمس الدين في فهم عاشوراء، هو إصراره على نزع الصفة الفئوية أو المذهبية الضيقة عن الثورة. في نظره، الحسين بن علي ليس إماماً لطائفة، بل هو رمز إسلامي وإنساني عام.
وعليه، فقد قاوم الشيخ شمس الدين كل المحاولات التي تهدف إلى توظيف ذكرى عاشوراء كمنصة لإثارة الأحقاد المذهبية، أو استعادة صراعات التاريخ السحيق لضرب السلم الأهلي والوحدة الإسلامية في العصر الحديث. لقد أراد لعاشوراء أن تكون مساحة للالتقاء حول قيم الحق المشتركة بين المسلمين جميعاً، بل ومع الإنسانية جمعاء. الحسين ثار من أجل كرامة الإنسان وعدالة النظام، وهذه قيم عابرة للمذاهب والأديان، ومن الخطأ الجسيم حصر ثورته الكونية في خنادق السجال المذهبي الضيق.
البُعد الوطني والسياسي.. الثورة وبناء الدولة
ربطاً بالواقع اللبناني والعربي الذي عاشه الشيخ وساهم في صياغته، تحولت مفاهيم عاشوراء في فكره إلى ركائز لبناء المواطنة الصالحة والدولة العادلة. لقد رفض الشيخ شمس الدين مفهوم “العزلة السياسية” أو “التقية السلبية” التي قد تُفهم خطأً من بعض قراءات التاريخ.
استلهم من ثورة الحسين شجاعة الموقف في صياغة أطروحته الشهيرة حول “ولاية الأمة على نفسها”، داعياً الشيعة في لبنان والعالم العربي إلى الاندماج الكامل في أوطانهم، واعتبار أنفسهم جزءاً أصيلاً من كياناتهم الوطنية، لا جزرًا معزولة ترتبط بمشاريع خارجية. الثورة الحسينية في فكره السياسي تعني رفض التهميش، والمطالبة بالحقوق عبر مؤسسات الدولة الشرعية، ومقاومة الاحتلال (كما في حالة مواجهة العدو الإسرائيلي)، مع الحفاظ التام على صيغة العيش المشترك والتنوع كغنى حضاري.
عاشوراء كمشروع حضاري مستدام
إننا إذ نحيي أيام عاشوراء اليوم، وفي ظل التحديات المصيرية التي تعصف ببلدنا ومنطقتنا، نجد في فكر الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين بوصلة معرفية شديدة الأهمية. لقد نجح الراحل الكبير في صياغة قراءة تجديدية جعلت من دماء كربلاء وقوداً للبناء والنهوض، لا مادة للانكفاء والندب.
علمنا شمس الدين أن الحسين ليس ذكرى تُبكى فحسب، بل هو مشروع حضاري مستدام، يُستدعى في كل زمان ومكان لمواجهة الطغيان، وإصلاح المفاسد، وصون كرامة الإنسان. إن الوفاء الحقيقي للحسين في هذه الأيام يكون بالانتقال من عاطفة الدمعة -على أهميتها- إلى رحاب الوعي الحركي، والالتزام بقضايا الأمة، وبناء الأوطان على أسس الحق والعدالة والسيادة المطلقة.

