زينب سعد تسأل بالكثير من الألم وبالقليل من الأمل: من يردّ لي اعتباري؟!

غسان صليبي

حرصت زينب سعد، التي لا اعرفها، ان تروي لنا حكايتها على صفحتها في الفايسبوك: “بدي أحكي من غصة وخنقة رح يقتلوني…”. أخبرتنا زينب ان عائلتها تخلّت عنها ونبذتها واجبرتها على مغادرة منزل امها في الضاحية التي لجأت اليه مع ابنتها على أثر الحرب. واضافت انها طُردت من عملها بعد الاضطهاد العائلي مباشرة.

يمكن للحدثَين ان يترافقا في حياة الافراد الاجتماعية، فتوتر العلاقات العائلية يصعّب على المرء القيام بعمله بشكل مناسب

مما قد يؤدي إلى طرده، كما ان طرده من العمل يؤثر في معيشة عائلته مما قد يوتّر على العلاقات بين افرادها.

لكن ما حصل مع زينب لا علاقة له بحياتها الاجتماعية ولا بالتفاعل بين ظروف العائلة وظروف العمل، بل بعامل يلغي هذه الحياة الاجتماعية بكليتها ويجعل منها رهينة عقيدة دينية شمولية تتحكم بتفاصيل حياة البشر.

العقيدة تتقدّم على العاطفة العائلية

لأن زينب انتقدت إيران بسبب توريطها شيعة لبنان بحروبها، حُرمت تلقائيا من العاطفة العائلية التي كانت تجمعها بعائلتها، وفقدت في الوقت نفسه الحماية التي يوفرها لها قانون العمل، ذلك ان صاحب العمل الذي طردها، لا يخضع، كما تبيّن، للقوانين المدنية بل لقرارات القيّمين على العقيدة الدينية التي ينتمي إليها.

العلاقات العائلية كما علاقات العمل كما الحق بالرأي السياسي كما الحق بالسكن، بدت جميعها مصادَرة، في حكاية زينب، من قبل عقيدة دينية تطبّق شريعتها بقوة السلاح، في اطار ما بات يعرف ب”دويلة حزب الله.”

هكذا يُجرّد المواطن اللبناني من روابطه الاجتماعية التي تحدد انتماءاته وتمده بالاحساس بالأمان وبمصادر العيش، ويصبح مصيره الشخصي والاجتماعي رهن خضوعه لمشيئة حراس شريعة الدويلة.

في نصها الحزين والغاضب في آن واحد الذي نشرته على صفحتها- وهي مساحة الحرية المتبقية لها- كررت زينب بشيء من الاستغراب ان ما جرى لها كان فقط بسبب رأيها، مؤكدة أن لا مشاكل بينها وبين الناس.

لا عجب في ذلك، يا عزيزتي زينب، فعقيدة الولي الفقيه لا تعترف برأي المواطن الا بقدر ما يتوافق مع رأي المرشد ومع فتاوى رجال التراتبية الدينية، فكيف اذا كان هذا المواطن إمرأة.

لست من عائلتك ولا من طائفتك يا زينب لكنني اتضامن معك

 كمواطن مثلك في جمهورية لبنانية يعتبر دستورُها ان مصدر السلطات هو الشعب الذي يحق له بالتعبير عن رأيه بحرية، وينص على حرية المعتقد والحق  بالعمل والسكن وباقي الحقوق الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان، الذي تبناه دستورنا في مقدمته.

رابط المواطنية في الدولة اللبنانية هو ما يجمعنا يا زينب، والمواطنية تحمي حقوقك وحقوقي في العائلة وفي العمل وفي السكن وفي السياسة. وهي تحديدا، ما اشعرني بأنني، كما باقي المواطنين، معني بتساؤلك حول من يردّ لك اعتبارك.

تساءلتِ وأَجبتِ نفسَك: “اه ما في مين يرد اعتبارك ، هني ناس ماتوا كرمال ايران وما فارقة مع حدا بس عم يعدوهم أرقام مش أكثر وبتَفاخُر،  أنتِ يا زينب ناطرة حدا يرد إعتبارك… ههههههه.”

من يرد الاعتبار لزينب؟ رد الاعتبار يعني بالملموس استعادتها لإنتمائها العائلي وما يرافقه من عاطفة، وعودتها للعمل وللسكن في بيت امها، والاعتراف لها بالحق بأن يكون لها رأي سياسي. رد الاعتبار يعني قبل كل شيء احترامها كإنسان وكامرأة بعد أن “….ما ضل ابن حلال وبنت حلال إلا ما هتكوا فيّي هتك وما تركوا عضو من أعضائهم ومن زبالتهم ما دلقوها على الصفحات والكومنتات”.  

مأساة زينب..مأساة وطن

حكاية زينب تختصر مأساة الانتماء الى وطن تتصارع على حكمه دولة ودويلة، لكل منهما دستوره وقوانينه وشعبه وحدوده وسلاحه وعلاقاته الخارجية واقتصاده وقيمه.

 إعادة الاعتبار لزينب يفترض حسم الصراع بين الدولة والدويلة لصالح الدولة. لذلك تضحك زينب على نفسها عندما تطالب برد الاعتبار( “هههههه”) لإنها في الواقع تعي تماما تعقيدات المسألة وخاصة اننا ربما نكون بعد التفاهم الأميركي- الايراني، قد دخلنا مرحلة تسوية جديدة بين الدولة والدويلة، مرحلة لن تعيد على الارجح الاعتبار الى زينب وأمثالها.

ما تحتاجه زينب ليس احتكار قرار الحرب والسلم من قبل الدولة فحسب، بل احتكار هذه الأخيرة للقوانين التي تطبّق على المواطنين في حالات السلم. حتى لو لم تكن القوانين كافية لرد الاعتبار لزينب، فالعادات والتقاليد، ولا سيما العشائرية من بينها وبالأخص ما يتعلق بالمرأة، وفي معظم الطوائف، ليست أقل عنفاً على زينب وعلى آخرين من اللبنانيين. ناهيك عن ضعف النقابات في الدفاع عن حقوق العمال، وضعف الجمعيات النسائية في الدفاع عن حقوق المرأة، خاصة عندما يتعلق الامر بإنتهاكات لحقوقهم وحقوقهن في إطار الدويلة.

شجاعةٌ منك يا زينب ان تصرّي على انك “ناطرة” ان يُرد لك اعتبارك، رغم ضعف ثقتك بامكانية ذلك. لا نستطيع للاسف، نحن المتضامنون معك، ان نرفع شعار “لبيكِ يا زينب” استجابة لطلبك، بسبب تقاطع الشعار مع شعار ديني. ارجو ان تعتبري نصي هذا مساهمة متواضعة مني في رد اعتبارك، وبالمناسبة اعلمك أنني وقّعت مع اربعماية آخرين من المواطنين اللبنانيين بيانا بعنوان “نداء لإنقاذ لبنان”، يطالب بانسحاب اسرائيل من الجنوب، ويرفض الوصاية الايرانية واستباحتها لسيادة لبنان. كما يضع نصب عينيه اهمية دعم الدولة ومؤسساتها، وضرورة احتكارها للسلاح ولقرار الحرب والسلم.

لا يُقارن البيان بشجاعتك يا زينب. لكن رجاءً ان تعتبري ان فيه قدرا ولو قليل من رد الاعتبار لك، ولو بطريقة غير مباشرة.

السابق
ثورة الإمام الحسين في فكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين: من «العبرة» إلى «الوعي الحركي» وصياغة الهوية الوطنية