«مفاوضات روما» على نار حامية..وعون يراهن على ترامب لانتزاع الانسحاب…

المفاوضات

في وقت تتسع فيه رقعة المواجهة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران، وتنتقل شرارات التصعيد من الخليج إلى اليمن، تبدو الساحة اللبنانية أمام اختبار سياسي وأمني دقيق. فبينما تنشغل المنطقة بتبادل الضربات العسكرية، يحاول لبنان تثبيت مسار تفاوضي منفصل مع إسرائيل، عنوانه تنفيذ «صيغة الإطار» وإطلاق مشروع «المناطق التجريبية» الذي تراهن عليه الدولة اللبنانية لفتح الباب أمام الانسحاب الإسرائيلي وعودة الاستقرار إلى الجنوب.

وتتجه الأنظار إلى روما حيث تنطلق جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية برعاية أميركية، وسط رهانات رسمية على تحقيق اختراق عملي يترجم على الأرض عبر انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني وإطلاق ورشة إعادة الإعمار. غير أن هذه الآمال تصطدم بعقبتين أساسيتين: الأولى مرتبطة بالموقف الإسرائيلي الذي قد يرفع سقف مطالبه نتيجة تعثر التفاهمات السابقة، والثانية تتصل برفض حزب الله المعلن للمسار التفاوضي برمته.

عون يرفع السقف: الضغط على إسرائيل لا على لبنان

قبل أيام من زيارته المرتقبة إلى واشنطن، رسم رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ملامح المقاربة اللبنانية للمفاوضات، معلناً أنه سيطلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ممارسة الضغوط اللازمة على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.

ويعكس هذا الموقف محاولة لبنانية واضحة لنقل مركز الضغط من بيروت إلى تل أبيب، خصوصاً أن الدولة اللبنانية تعتبر أن نجاح «المناطق التجريبية» مشروط بثلاث خطوات متلازمة: الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وبدء عملية إعادة الإعمار. ومن هنا تأتي أهمية جولة روما التي لا تُنظر إليها كمجرد محطة تفاوضية، بل كبداية اختبار فعلي لصدقية الضمانات الأميركية.

كما يحرص عون على تقديم الجيش اللبناني بوصفه الضامن الوحيد للاستقرار، في رسالة داخلية وخارجية معاً، مفادها أن الدولة وحدها قادرة على حماية الحدود وإدارة المرحلة المقبلة، بعيداً عن منطق السلاح الموازي أو المعادلات العسكرية التي حكمت الجنوب لعقود.

حزب الله يعلن المواجهة السياسية مع الاتفاق

في المقابل، يواصل حزب الله وحلفاؤه رفع مستوى الاعتراض على «صيغة الإطار». فالتصريحات الأخيرة للنائب علي المقداد لم تكتف برفض الاتفاق، بل ذهبت إلى اعتباره «اتفاق ذل وعار»، مؤكدة أن سلاح الحزب باقٍ وأن أي محاولة لسحبه بالقوة محكومة بالفشل.

هذا الموقف لا يعكس مجرد اعتراض تقني على تفاصيل التفاوض، بل يكشف عن صراع أعمق يتعلق بمستقبل الدور العسكري للحزب داخل المعادلة اللبنانية. فنجاح مشروع المناطق التجريبية وانتشار الجيش في مناطق كانت خاضعة عملياً لنفوذ الحزب الأمني والعسكري سيشكل سابقة قد تتوسع لاحقاً إلى مناطق أخرى، وهو ما يفسر حجم التصلب الذي يبديه الحزب تجاه هذا المسار.

وتزداد حساسية المشهد مع انضمام قوى سياسية أخرى إلى جبهة المعترضين، ما ينذر بتحول ملف المفاوضات إلى ساحة اشتباك سياسي داخلي موازٍ للمواجهة الإقليمية المفتوحة.

روما بين فرصة الاختراق وخطر الانفجار الإقليمي

عملياً، لا تنفصل مفاوضات روما عن المشهد الإقليمي الأوسع. فكلما ارتفعت وتيرة المواجهة الأميركية – الإيرانية، تقلص هامش المناورة أمام الأطراف اللبنانية. ومع انتقال التصعيد إلى اليمن واستهداف مطار صنعاء، تبدو المنطقة أمام مرحلة أكثر خطورة قد تدفع القوى الإقليمية إلى استخدام الساحات المتاحة للضغط المتبادل.

ومع ذلك، ما زالت واشنطن تبدو متمسكة بفصل المسار اللبناني عن بقية الجبهات، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار لبنان يشكل إحدى الأوراق القليلة القابلة للإنجاز وسط الفوضى الإقليمية المتسارعة.

وعليه، فإن نتائج الساعات المقبلة في روما ستحدد ما إذا كان لبنان قادراً على الاستفادة من المناخ الدولي الدافع نحو التسويات، أم أن الانقسام الداخلي واشتداد الصراع الإقليمي سيدفعان بمشروع «المناطق التجريبية» إلى مصير مشابه لمبادرات كثيرة سبق أن وُلدت تحت عنوان السلام وانتهت ضحية التوازنات والحروب.

السابق
الصحف الإيرانية: رسالة الثأر للمرشد مجتبى خامنئي تتصدر التغطيات.. وأزمة معيشية خانقة تفجرها أسعار الخبز