
تنبت بلدة “عبا” الجنوبية في جغرافيا الوجدان كأول الضوء، وتشرق على تلالها الوادعة شمس الصباح مكللة بأنوار الشموخ وفطرة الوفاء، فتعير الهضاب سكينتها وتفيض بالمودة العذبة في أرجائها. هي واحة غائرة في حنايا الروح، تتهادى فوق رباها الخصيبة نسائم الوجد الندية، تلفح الحقول الممتدة كأبسطة من خضرة الحياة ونضارة النجوى، فيستحيل التراب كتاباً مفتوحاً يروي فلسفة الوجود، ويعبق الزمان بقلب ينبض بالشوق المقيم بين جدران بيوتها العتيقة، وحكايات أزقتها الحميمية المترعة بأصوات الذكريات الصاخبة التي لا يمحوها كبرياء الطوفان ولا تقادم العهود.
إنها عبا، حارسة الأسرار وصوت الزمان الذي لا يهدأ، وأنس المكان الذي يستوطن وعي من سكنوه، وكحل العيون التي جبلت على التقاط أروع حكايات نسائها الماجدات، ورجالها الأوفياء، وشبابها النابض بالبذل وعنفوان الالتزام. هناك، في أماسيها الساحرة، يلوح ساهر الليل حارساً لأحلام الصبا وضحكاته، وفي نهاراتها الندية المثقلة بالبركة تنهض سواعد الفلاحين الأباة، تحرث الأرض بوعي متصل بالتراب اتصال الروح بالجسد، وتبذر مع تباشير الطيور ألوان الأمل القديم وغمرة أحلام أبنائها الواعدة. هذه الحاضرة التي تمد كفها نحو الأفق لتكون وطناً للنجوم المتألقة والكواكب السيارة، تنشر أشرعة علمها ومعرفتها وثقافتها الجامعة في أصقاع الأرض، راسخة في وجدان الأمة بأصالتها ونتاجها الأدبي والفكري المرموق الذي يضاهي أرقى حواضر الفكر الإنساني.
تمتد عبا في التاريخ متجذرة بأصالة عاتية لا تلين، ترتكز على إرث عريق صاغته الأجيال كفاحاً ونضالاً يومياً من أجل البقاء والسمو. ففي كل حجر من بيوتها الطينية القديمة، وفي كل كسر من قناطرها، وفي كل بيدر من بيادرها التي شهدت مواسم العطاء والخير، تفوح رائحة المونة الجنوبية المجبولة بعرق الجباه السمراء وفيض الخيرات الممتدة من غرس الأجداد. تروي حكايات أرزاقها الممتدة قصة إنسان تشبث بأرضه كجزء من ماهيته، وحماها بدمه ودموعه، فاستحالت ساحاتها ومزارعها شواهد حية على وطنية صادقة ونضال مستمر لشبابها، وكفاح لا يهدأ لرجالها، وحكمة بالغة لشيوخها الذين صقلتهم الأيام فصاروا منارات تبصر بها الأيجال دروبها نحو غد مشرق مفعم بالعلم والأمل والحرية.
تتكامل الإنسانية في هذا المحضن الحاني والملجأ العابق بالقيم، حيث تتجلى أسمى معاني الرحمية والألفة في نسيج اجتماعي وثيق، تتشابك فيه القلوب وتتآلف الأرواح في وحدة صلبة ترفض التشرذم وتتعالى فوق الأنا الضيقة. إن الحياة في عبا تفيض بروحانية التآخي والوئام، حيث يسعى الجميع نحو لم الشمل وتثبيت دعائم التعاون والتفاهم بعيداً عن عواصف الانقسام، متلمسين في دروبها الهوية الوطنية الجامعة كأنها عقيدة وجدانية تنبض في عروقهم. ويتجلى صون الدار وسيادتها ورفعتها في أبهى مظاهر التآخي والوفاق، حيث ينسج الأوفياء معاً عهداً أبدياً على حماية استقلال بلدهم ووحدة صفهم، من خلال التلاقي الفكري والوجداني والتفاهم العميق الذي يبني مستقبلاً طاهراً يليق بنبل تضحياتهم وعمق ترابطهم الإنساني.
تبقى عبا تلك الوردة الأجمل المتفتحة على خد الجنوب الصامد؛ تحمل حكاياتها أروع العبر، وتصاغ قصصها بأنقى روايات الزجل العفوي الذي يتردد صداه الآسر في السهرات الدافئة وعلى البيادر وفي الكروم المعلقة. واليوم، وإذ تقف عبا كشقيقاتها من بلدات الجنوب الأشم في وجه العواصف العاتية، متجرعةً مرارة القصف والتدمير، ومتشحةً بآلام التهجير القسري الذي لم يزد أهلها إلا تشبثاً بالهوية العميقة، تبرهن للعالم أن ارتقاء الشهداء الأبرار من أبنائها ليس إلا قناديل تضيء طريق العودة والكرامة. إن كل جرح في جسد هذه البلدة الغالية، وكل حجر تهدم من بيوتها الساكنة، لم ولن يكسر عنفوان أهلها، بل يزيدهم صلابةً في مواجهة المأساة، لتظل عبا هي السيرة والمثوى، والحلم والواقع، والأرض الصابرة التي تعبر فوق الآلام بنبل تضحياتها نحو غدٍ تسوده العزة والرفعة، وتستمر منارة للأدب والفكر والشهامة العربية الأصيلة.

