يعيش لبنان ساعات مصيرية لاهثة تتأرجح بين ترقب مآلات المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والاستعداد لجولة تفاوض أمنية وعسكرية مباشرة مع إسرائيل في البنتاغون وعواصم القرار.
ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي تحت وطأة تصعيد ميداني إسرائيلي عنيف وضغوطات غير مسبوقة تجلت في حزمة عقوبات أميركية طالت، للمرة الأولى، عمق البنية الأمنية والعسكرية اللبنانية، مما يضع البلاد على مفترق طرق حاسم يعيد رسم توازناتها السياسية، وعلاقاتها الإقليمية مع طهران، وسط إصرار رسمي على فصل المسار اللبناني وحصر السلاح بيد الدولة الشرعية.
خيارات ترامب النارية وحسابات الساحة اللبنانية
أفادت صحيفة «نداء الوطن» بأن حالة من الترقب الشديد تسود الأوساط السياسية، حيث تقف واشنطن وطهران على مفترق طرق بين توقيع اتفاق سلام طويل الأمد يُنفذ على ثلاث مراحل (إنهاء الحرب، حل أزمة مضيق هرمز، وفتح مفاوضات موسعة)، أو العودة الشاملة لأتون الحرب؛ إذ نقلت الصحيفة تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصادم لمستشاريه: «إما أن نتوصل إلى اتفاق جيد، أو سأدمرهم تدميراً شاملاً».
وفي المقابل، استبق كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف الرد الأميركي بمواقف تصعيدية من طهران، مؤكداً أن القوات الإيرانية أعادت بناء قدراتها خلال التهدئة وأن العواقب ستكون تدميرية.
وفي الشأن المحلي، أشارت الصحيفة إلى أنه رغم نجاح الجانب اللبناني الرسمي في فصل ملفه عن الملف الإيراني، إلا أن أوساطاً سياسية حذرت من أن أي اتفاق أميركي-إيراني قد يلزم طهران بالتخلي عن أذرعها، مما يجبر حزب الله على تسهيل التفاوض وتسليم سلاحه للدولة. أما في حال انهار المسار وسُحبت لغة الدبلوماسية، فإن الحزب قد يرفع وتيرة عملياته العسكرية ويعيد إدخال لبنان في مواجهة دموية جديدة لعرقلة المفاوضات المباشرة.
ثانياً: شروط البنتاغون وإطباق الحصار على حزب الله وفك ارتباط «أمل»
من جهتها، كشفت صحيفة «الشرق الأوسط» عن كواليس الاستعدادات الجارية للمسار الأمني-العسكري بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي في البنتاغون في 29 مايو الجاري، تمهيداً للجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة برعاية الخارجية الأميركية مطلع يونيو المقبل.
وتصر بيروت على تثبيت وقف النار وانسحاب إسرائيل مقابل حصرية السلاح بيد الدولة والتزام حزب الله بوضع سلاحه بعهدتها.
ونقلت الصحيفة عن مصدر وزاري أن واشنطن تشترط التلازم بين نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، مؤكداً أن هذا الموقف يطبق الحصار على الحزب الذي لن يجد غطاءً طالما رفض تسليم سلاحه.
وكشف المصدر الوزاري أن تجاوب واشنطن مع اتصالات الرئيس جوزاف عون مشروط بإعلان حزب الله التزامه بحصرية السلاح تدريجياً.
وأشارت الصحيفة إلى أن إدراج واشنطن لمسؤولين في حركة أمل (أحمد بعلبكي وعلي صفاوي) على قائمة العقوبات أحدث إرباكاً كبيراً، واعتبرته مصادر الحركة رسالة أميركية مباشرة وموجهة لرئيس البرلمان نبيه بري للضغط عليه بسبب عدم تأييده للمفاوضات المباشرة، ومحاولة لفك ارتباط الحركة بحزب الله، متسائلة باستنكار: «كيف يُطلب من بري التوسط لدى الحزب وتُفرض عقوبات على الحلقة الضيقة المحيطة به؟».
كما كشفت الصحيفة عن إجراءات غير مسبوقة اتخذتها الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية لتقويض الوجود الإيراني وحصار حزب الله، وأبرزها:
- إيقاف العمل ببطاقات تسهيل المرور التي كانت ممنوحة لحزب الله وتقنين رخص حياز الحمل السلاح.
- تطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش بمنع حمل السلاح أو استخدامه أو التنقل به من شمال الليطاني وصولاً للحدود السورية.
- إقفال الخط العسكري غير الشرعي الذي يربط سوريا بلبنان وضبط عمليات العبور، وتقليص دور وحدة الارتباط والتنسيق (وفيق صفا).
- ترحيل العشرات من خبراء «الحرس الثوري الإيراني» المكلفين بإعادة ترتيب الوحدات القتالية لحزب الله بعد ثبوت مقتل خبراء إلى جانب حسن نصر الله وهاشم صفي الدين.
- إلغاء سياسة الأجواء المفتوحة مع طهران، ومنع الطيران الإيراني من الهبوط في مطار بيروت منعاً لاستهدافه، والتشدد الأقصى في السمات؛ حيث منح الأمن العام 4 تأشيرات فقط لإيرانيين طوال الفترة الماضية.
- سحب أوراق اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، وفرض الإقامة الجبرية عليه داخل السفارة في بيروت، وسط فتور سياسي وقطيعة رسمية شبه تامة مع طهران لمنعها من التدخل في الشؤون الداخلية.
تناغم أميركي-إسرائيلي بالنار.. وكواليس قانون العفو
بدورها، نقلت صحيفة «الديار» عن مصادر مطلعة جزمها بوجود تناغم أميركي-إسرائيلي واضح؛ حيث يهدف التصعيد الإسرائيلي الميداني الأخير ورزمة العقوبات الأميركية الاستثنائية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على المفاوض اللبناني عشية اجتماع البنتاغون لتقديم تنازلات جوهرية. وأكدت المصادر أن الوفد العسكري اللبناني يذهب مزوداً بتوجيهات حاسمة لا حيدة عنها تتمحور حول 3 نقاط أساسية:
- المطالبة الصارمة بتثبيت وقف إطلاق النار أولاً، وعرض إنجازات انتشار الجيش اللبناني في الجنوب منذ تشرين 2024، مع توثيق العقبات الإسرائيلية المتمثلة في استمرار احتلال النقاط الخمس التي أعاقت بسط كامل سلطة الدولة.
- تفنيد المزاعم الإسرائيلية والتأكيد على أن الجيش نفذ انتشاره بإمكانيات محدودة ودون معلومات عن الأنفاق والمخابئ، بدليل تقديمه لـ 12 شهيداً والعديد من الجرحى أثناء تفكيك الألغام وتفجير الذخائر.
- إثارة ملف المساعدات والتجهيزات العسكرية الدولية التي وُعد بها الجيش اللبناني في كل المراحل ولم يتم الوفاء بها حتى الآن.
وأوضحت مصادر «الديار» أن العقوبات الأميركية التي طالت لأول مرة ضابطين في الجيش والأمن العام (خطار نصر الدين وسامر حمادة) تمثل تدخلاً سافراً في عمل المؤسستين ومحاولة لقطع خطوط التواصل مع الثنائي الشيعي، مستبعدة أن تطال العقوبات قيادة الجيش العليا. وفي المقابل، نقل زوار عين التينة عن الرئيس نبيه بري استغرابه الشديد للإجراءات الأميركية ضد مسؤولي حركة أمل، واصفاً إياها بتحريض من «لوبي معين في بعض الدوائر الأميركية»، ومجدداً رهانه على الاتفاق الأميركي-الإيراني لوقف النار. بينما عبر مصدر في الثنائي الشيعي عن استيائه العارم من تجنب مجلس الوزراء مناقشة العقوبات، معتبراً ذلك هروباً من المسؤولية و«دفناً للرؤوس في الرمال» أمام اعتداء يمس السيادة الوطنية ويهدف لإحداث فتنة وصدام بين الجيش ومكون سياسي أساسي.
وعلى صعيد داخلي منفصل، كشفت «الديار» عن مشاورات نيابية مكثفة ستنشط بعد عيد الأضحى لحلحلة العقد الباقية في اقتراح «قانون العفو العام» الذي تأجلت جلسته التشريعية بسبب الاحتجاجات والتحريض الطائفي. ويرتكز النقاش حالياً على بندين شائكين: الحق الشخصي لذوي الضحايا، وإخلاء سبيل من أمضى فوق 14 سنة سجنية.
ونقلت الصحيفة عن مصادر نيابية أن السجناء الإسلاميين، ومنهم الشيخ أحمد الأسير، لن يتم إطلاق سراحهم فوراً لأن القانون المطروح يعتمد تخفيض العقوبات وليس العفو الشامل؛ فحالة الأسير (المحكوم بالإعدام) مرتبطة بمسار تمييز الحكم؛ فإذا خُفض للمؤبد سيخرج بعد سنتين (لأن المؤبد يصبح 17 سنة سجنية أي 13 فعلية وهو مسجون منذ 11 عاماً)، أما إذا بقي حكم الإعدام سيتخفض إلى 28 سنة هجرية (21 فعلية) ما يعني بقاءه في السجن لـ 10 سنوات إضافية. وحذرت المصادر من أن استمرار الخلاف يعطل قوانين معيشية ملحة كزيادة رواتب القطاع العام والمتقاعدين.

