حبس العالم والشرق الأوسط أنفاسهما ترقباً لإعلان رسمي وشيك عن مذكرة تفاهم تاريخية جرى بلورتها بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تهدف إلى إنهاء الحرب رسمياً في المنطقة وعلى الجبهات كافة، بما فيها الساحة اللبنانية. وتأتي هذه الانفراجة الدبلوماسية الكبرى ثمرة جهود ووساطات حثيثة قادتها باكستان ودولة قطر لتقريب وجهات النظر وسحب فتيل الانفجار الشامل بين القوتين.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد مهد لهذه الأجواء بإعلان رسمي عبر منصته «تروث سوشال» (Truth Social)، أكد فيه أن المفاوضات مع إيران وصلت إلى مراحل متقدمة للغاية وقَطعت شوطاً كبيراً، بانتظار صياغة المسودة الختامية بين واشنطن وطهران وبمشاركة دول أخرى، كاشفاً أن الاتفاق المرتقب سيتضمن بنداً حيوياً يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية، إلى جانب عناصر استراتيجية أخرى.
وفي السياق ذاته، أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن تفاؤله بنجاح هذه المساعي، مؤكداً في تدوينة له على منصة «إكس» أن إسلام آباد مستمرة في جهودها المخلصة لتحقيق السلام، وتأمل في استضافة الجولة المقبلة من محادثات السلام المباشرة بين الطرفين في القريب العاجل.
خريطة طريق من 14 بنداً: ماذا تحمل المسودة؟
وفقاً للتسريبات السياسية التي كشفها موقع «أكسيوس» الاستخباراتي وصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن إطار التفاهم قيد الإنجاز يتألف من 14 بنداً أساسياً، ويرتكز على خريطة طريق تمتد لـ 60 يوماً كفترة اختبار لبناء الثقة، وجاءت أبرز بنودها على النحو التالي:
- إنهاء حرب لبنان: تنص المسودة صراحة على وضع حدّ نهائي للحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان. ورغم إعراب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس ترامب عن قلقه من هذا الشرط، إلا أن مسؤولاً أميركياً أكد أن الاتفاق يضمن لإسرائيل حق التحرك العسكري في لبنان إذا حاول حزب الله إعادة تسليح نفسه.
- إعادة فتح مضيق هرمز: تلتزم إيران بفتح المضيق الحيوي فوراً وطوال فترة الـ 60 يوماً من دون فرض أي رسوم مرور أو جمارك، بعد إغلاقه المستمر منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير. وفي المقابل، ترفع الولايات المتحدة حصارها البحري المفروض على الموانئ الإيرانية منذ أوائل نيسان/أبريل، والذي تصفه طهران بـ«القرصنة الأميركية».
- شريان النفط وتجميد الأموال: وافقت واشنطن على منح إعفاءات طارئة تتيح لإيران بيع نفطها بحرية في الأسواق العالمية خلال مهلة الستين يوماً، مع البدء في مفاوضات رسمية لرفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في البنوك الأجنبية، على أن يربط الإفراج عن الكتلة الأكبر من هذه الأموال بالتوصل إلى اتفاق شامل لاحقاً.
- مصير الترسانة النووية: تشمل المسودة تعهداً إيرانياً قاطعاً بعدم السعي أبداً لامتلاك أسلحة نووية، ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أميركيين أن طهران وافقت شفهياً عبر الوسطاء على التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وتقديم تنازلات ملموسة بخصوص تعليق عمليات التخصيب، على أن تُترك الآلية التفصيلية للتسليم لمفاوضات منفصلة تجرى خلال مدة تتراوح بين 30 إلى 60 يوماً.
- الوجود العسكري الأميركي: يضمن الاتفاق بقاء القوات العسكرية الأميركية التي تم نشرها وتعزيزها في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية في مواقعها الحالية طوال فترة الستين يوماً، ولن يتم سحبها أو تحريكها إلا بعد إبرام الاتفاق النهائي والشامل.
الموقف الإيراني: فصل الملف النووي وتأجيل التفاصيل
دبلوماسياً، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في تصريحات للتلفزيون الرسمي، حصول تقارب ملموس مع الإدارة الأميركية بفضل الوساطة الباكستانية التي توجت بزيارة قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران ولقائه بالرئيس مسعود بزشكيان. وأوضح بقائي أن بلاده في مرحلة صياغة إطار التفاهم الذي يركز بالدرجة الأولى على إنهاء «الحرب المفروضة»، معلناً بشكل حاسم إرجاء الملف النووي الشائك لفترة لاحقة (تتراوح بين 30 و60 يوماً) لكي لا يُتخذ ذريعة لشن حروب جديدة ضد الشعب الإيراني، مشدداً على أن الأولوية القصوى حالياً هي لوقف نزيف الدم.
وفي المقابل، جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو متناغمة مع هذا المسار، حيث تحدث علانية عن وجود «فرصة حقيقية» لإبرام اتفاق وشيك مع طهران ينهي حالة العداء.
لغة النار ومخاوف الضربات العسكرية العاجلة
هذا التقدم الدبلوماسي الحذر وُلد من رحم مواجهات وتهديدات عسكرية متبادلة وصفتها التحليلات السياسية -ومنها قراءة الكاتبة راغدة درغام- بأنها وضعت ترامب في مأزق الحسابات الخاطئة والحرب المبتورة. فقد استبق رئيس مجلس الشورى الإيراني وقائد الوفد المفاوض، محمد باقر قاليباف، مغادرة الوسيط الباكستاني طهران بتوجيه تحذير شديد اللهجة لواشنطن، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية أعادت بناء قدراتها بالكامل خلال فترة وقف إطلاق النار، وتوعد بردّ «ساحق وأكثر مرارة» إذا ارتكب ترامب حماقة واستأنف الحرب.
وتزامنت هذه التهديدات الإيرانية مع تسريبات أمنية خطيرة نشرتها شبكة «سي بي إس نيوز» (CBS News) تفيد بأن الجيش الأميركي يستعد لاحتمال شن عمليات قصف جوي وصاروخي مكثف ضد أهداف إيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع، مؤكدة أن الرئيس ترامب جمع كبار مستشاريه في البيت الأبيض لمناقشة الخيارات العسكرية المتاحة بالتوازي مع مسار التفاوض.
استنفار دبلوماسي عربي ودولي
وعلى الصعيد الدولي والعربي، أجرى الرئيس ترامب مؤتمراً هاتفياً موسعاً استطلع فيه آراء العديد من القادة والزعماء العرب والمسلمين حول بنود الاتفاق، والذين أبدوا تأييدهم المطلق لإنهاء النزاع. كما شهدت العواصم الإقليمية حراكاً لافتاً؛ حيث أجرى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني اتصالاً بترامب لحثه على تغليب الحلول السلمية، وتبع ذلك بمباحثات مكثفة مع ولي العهد السعودي ورئيس دولة الإمارات، في حين نسق رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني المواقف مع وزراء خارجية مصر، وتركيا، والأردن، والإمارات.
وفي العاصمة الفرنسية باريس، دخلت الدبلوماسية الأوروبية على خط الأزمة؛ حيث أفادت أوساط قصر الإليزيه بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أجرى اتصالات عاجلة مع نظيره الأميركي وقادة السعودية، والإمارات، وقطر، والأردن. وأوضح مصدر دبلوماسي غربي أن فرنسا تدفع بقوة نحو تثبيت وقف إطلاق النار كأولوية قصوى، مع التركيز على إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وبدون أي قيود أو رسوم، لتمهيد الأرضية السياسية لاستكمال بقية ملفات الوضع النهائي في المنطقة.

