شيعة جبل عامل أكبر من الأحزاب ولا يختزلهم أحد.. العلامة الأمين يشخص مخاوف المصير ويدعو «الحزب» للانضواء تحت كنف الدولة

السيد علي الامين

يمرّ لبنان والجنوب تحديداً بأدق وأقسى مراحله التاريخية والميدانية؛ حيث ترخي الآلام بثقلها على الناس وسط نزيف مستمر وتشريد طال مئات آلاف العائلات. وفي وقت أفرزت فيه الحرب تبدلات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية للبيئة الشيعية، وتصاعدت أطروحات ونظريات حول تهجير «شيعة جبل عامل» أو ترحيلهم نحو العراق -الذي استقبل عشرات الآلاف منهم في فترات سابقة- يطلّ المرجع الديني الشيعي ومفتي صور وسائر جبل عامل سابقاً، العلامة السيّد علي الأمين، بحديث صحفي يتسم بالحكمة والعمق، مشخّصاً فيه هواجس الطائفة، ومفككاً «أوهام القوة والنصر الحتمي»، ليضع النقاط على حروف الهوية، والمصير، والحلول الإنقاذية الراهنة.

مشاعر الخوف على المصير ووهم «التظاهر بالقوة»

يستهل العلامة السيّد علي الأمين حديثه بتوصيف دقيق للمشهد النفسي السائد، مؤكداً أن الحرب الجارية التي ضربت معظم المناطق والبلدات التي يقطنها اللبنانيون من الطائفة الشيعية، ولّدت لدى الأكثرية الساحقة منهم خوفاً حقيقياً ومبرراً على المصير.

ويُشرّح «السيّد» حالة الارتباك التي تعيشها الأطراف الحزبية قاصداً حزب الله والموالين له، موضحاً أن هذا الفريق يتظاهر بالقوة لإخفاء مخاوفه العميقة؛ إذ تربى لعقود على عقيدة عسكرية تَعِدُ بـ«النصر الحتمي»، لتأتي التجربة الميدانية القاسية وتثبت فشل هذه الأطروحة جراء حجم الخسائر الفادحة التي لحقت بالحزب وبعموم البيئة الحاضنة التي عاشت طويلاً على آمال وشعارات تبخرت في أتون المواجهة. ويرى الأمين أن هذا الفريق، وإن حاول التظاهر بفائض القوة التي اعتاد عليها، يعلم في قرارة نفسه أنه فقدها في هذه الحرب، ويحاول مداراة خشيته بالزعم المستمر بالقدرة على الصمود والمواجهة.

تفكيك نظرية «ترحيل شيعة لبنان إلى العراق»

ورداً على السؤال الشائك حول مدى واقعية الأقاويل والسيناريوهات التي تروّج لترحيل شيعة لبنان أو نقلهم جماعياً إلى العراق، يحسم المرجع الشيعي موقفه بوصف هذا الاحتمال بـ«الضعيف وغير القابل للتطبيق»، معتبراً إياه مجرد إفراز طبيعي لظروف المأساة والنزوح الحاصلة.

ويشدد العلامة الأمين على الثوابت الوطنية قائلاً:

«إن الشيعة في لبنان هم مواطنون لبنانيون متمسكون بوطنهم النهائي لبنان، وبالعيش المشترك فيه مع كل المكونات الطائفية الأخرى. ومن الخطأ الفادح تحميل طائفة بأسرها مسؤولية السياسات التي تنتهجها بعض الأحزاب من أبنائها».

ويستشهد المرجع الديني بنماذج تاريخية ليؤكد أن الأحزاب لا تختزل الشعوب، موضحاً أن تنظيم «داعش» لم يختزل شعباً ولا مذهباً في المناطق التي سيطر عليها بالغلبة والإكراه، وكذلك تنظيم «الإخوان المسلمين» الذي كان يُعد من أكبر التنظيمات الإسلامية في مصر وأوطان أخرى لكنه عجز عن اختزال الملايين التي نشأ بينها. ويرى الأمين أن طرح هذه النظريات وتخويف الشيعة بالترحيل ما هو إلا محاولة «مصنوعة» ومبرمجة من أطراف مستفيدة تهدف لشد العصب المذهبي، ودفع أبناء الطائفة للتمسك بالقوى الحزبية الحاكمة بدعوى درء الأخطار والاضطهاد عنهم.

تبدل الهوية وتحريف المفاهيم لدى الأجيال الجديدة

وفي قراءته للتبدلات والتحولات الفكرية، يرى السيّد علي الأمين أن عقيدة عموم الشيعة في لبنان لا تزال راسخة في انتمائها الوطني من منطلق «حب الأوطان من الإيمان»، وإيمانهم بلبنان وطناً نهائياً متميزاً بالتسامح والإنفتاح والعيش المشترك الذي ورثوه عن الأجداد.

غير أنه لا ينكر حصول اختراق وتغيير واضح في رؤى وأفكار بعض الشرائح، عازياً ذلك إلى الارتباط الحزبي العقائدي بمشاريع عابرة للحدود وخارجة عن مصلحة الوطن. ويوضح أن الهيمنة الحزبية على مراكز التثقيف، والتعليم، ومؤسسات التوجيه الديني والمدارس في مناطق نفوذها -في ظل غياب وتخلي الدولة عن مسؤولياتها- أدت إلى صياغة شخصية جيل جديد يفتقد للرأي الآخر، ويحمل مفاهيم مغايرة ومحرفة عن الدولة، والحكم، والشريك المختلف في الوطن.

الروابط المذهبية والولاء للدولة لا للأحزاب

وعن المقارنة بين شيعة لبنان وأقرانهم في إيران أو العراق، يفرّق العلامة الأمين بوضوح بين الروابط الدينية والتبعية السياسية، مؤكداً أن الشيعة اللبنانيين هم لبنانيون، والعراقيين هم عراقيون، والإيرانيين هم إيرانيون، والروابط المذهبية التاريخية لم تكن يوماً -ولا يجب أن تكون- على حساب الأوطان والشعوب.

ويشير إلى أن ما يظهر من تقارب أو ملاذ آمن في العراق حالياً هو نتاج ترويج حزبسي ضيق للرؤية الإيرانية الجديدة العابرة للحدود، وهو تقارب تصنعه المصالح السياسية الحزبية التي تغلب عليها الرؤية الإيرانية وتقدم الولاء الحزبي على الروابط الوطنية والقومية، وهي رؤية نختلف معها بالكامل ولا تعبر عن حقيقة وعموم الشيعة في أوطانهم.

خارطة الطريق للإنقاذ ورسالة إلى «الإخوة في حزب الله»

وفي نظرة استشرافية لمستقبل الطائفة والوطن، يؤكد العلامة الأمين أن وجود الطوائف وتجذرها في أرضها لا يرتبط بوجود الأحزاب؛ فشيعة لبنان كانوا قبل وجود الحزب وسيبقون بعده. ويحدد المرجع الشيعي شروط الخروج من هذه المحنة عبر العودة الكاملة تحت سقف القانون، واعتماد الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة وحصرية في قضايا المصير وبسط السلطة على كامل التراب الوطني، والابتعاد عن الولاءات الحزبية والزعامات التي قادت البلاد للخراب والفتن.

وفي ختام حديثه، يوجه العلامة السيّد علي الأمين رسالة نصح صادقة ومباشرة إلى قيادة وعناصر حزب الله، داعياً إياهم للمراجعة والإنقاذ، قائلاً:

«لقد أديتم ما اعتقدتم أنه تكليفكم الملقى عليكم، والله تعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا}. ليس خطأً أبداً أن نستفيد من التجارب القاسية، وأن نعيد قراءة الأحداث والمواقف التاريخية. إن انضمامكم التام والكامل إلى مشروع الدولة وتقديم السلاح لها ليس انتقاصاً من مكانتكم أو تضحياتكم، ولا تخلياً عن دوركم، بل هو المساهمة الحقيقية والوحيدة المتبقية لإنقاذ أهلكم ووطنكم من استمرار هذا النزيف الدامي».

تنتهي قراءة العلامة الأمين ليؤكد المتن الواقعي للأحداث، أن احتفالات التحرير الحالية تمر ممتزجة بمرارة النزوح والمفاوضات الإقليمية، لكن الحل الحقيقي والنهائي يبقى رهناً بقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها الداخلية والخارجية، لتثبت هذه الأرض أن لا مكان فيها إلا لمن يؤمن بالدولة، والحدود الشرعية، والرسالة الإنسانية للوطن.

السابق
كواليس مسودة الـ 14 بنداً بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز.. ماذا عن لبنان؟
التالي
كلية التربية في الجامعة اللبنانية حددت مواعيد امتحانات الدخول لشهادة الماستر- سنة أولى