عن العقوبات الأميركية.. والعواقب!

ياسين شبلي

في مقالتي بالأمس في موقع ” جنوبية ” ، كتبت وفي معرض تحليل تصريحات الرئيس نبيه بري الأخيرة ما معناه بأنه يُعوِّل وربما يميل للعمل بعدة الشغل القديمة وأسلوبه ، سواء في مقاربة الحرب والمفاوضات مع إسرائيل وذلك عندما يقول ” أعطوني وقف إطلاق النار والباقي عليّ ” ، أو في مقاربة الوضع اللبناني عامة عندما يدعو إلى إتفاق سعودي – إيراني برعاية أميركية على طريقة السين – سين الشهيرة التي طوَّبته ركناً من أركان الحكم في لبنان منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم . وقلت أن الأمر يبدو أقرب إلى الإستحالة بسبب المتغيرات التي طاولت المنطقة منذ ذلك الوقت ، وختمت بسؤال إن كانت الرياح ستجري هذه المرة أيضاً بما تشتهيه سفن الإستاذ أم أن الطوفان سيستمر جارفاً معه كل ” السفن ” القديمة ، تاركاً للتطورات المقبلة أن تأتي بالجواب .

الأنباء المتواترة من واشنطن توحي بأن هذه اللائحة من العقوبات ما هي إلا البداية والآتي قد يكون أعظم

يبدو أن التطورات كانت أسرع مما توقعت ، إذ لم ينتهِ اليوم قبل أن تعلن وزارة الخارجية الأميركية فرض عقوبات على تسعة أفراد في لبنان لمساعدتهم حزب الله على تحدي سلطة الدولة اللبنانية ، ومن بينهم الذراع الأمني الأهم للرئيس بري أحمد البعلبكي إضافة إلى مسؤول ” عسكري ” آخر في حركة أمل في جنوب لبنان ، والأخطر هو تمدد العقوبات لتشمل ضابطين لبنانيين في الخدمة الفعلية ، وهو ما يؤشر إلى تصاعد حدة الضغوط الأميركية على الدولة اللبنانية بشكل عام وعلى الرئيس نبيه بري ومحيطه بشكل خاص ، خاصة وأن الأنباء المتواترة من واشنطن توحي بأن هذه اللائحة من العقوبات ما هي إلا البداية والآتي قد يكون أعظم وأخطر في تداعياته على بلد يعيش وضعاً هشاً على كل المستويات ، ومنها الوضع الإقتصادي الصعب الذي تناوله بالأمس وزير المالية ياسين جابر محذراً من خطورته ، هذا الوضع الذي لا ينتبه إليه أحد في هذه الظروف بحيث أن الإهتمام يتركز على الوضع الأمني وكيفية نجاة كل مواطن بنفسه في ظل هذه المحرقة .

في عودة إلى موضوع العقوبات فهي تؤشر إلى صحة ما طرحناه بالأمس في مقالتنا ، بأن العمل بالطريقة القديمة بالنسبة للوضع في لبنان ، من محاولة تذاكي وتدوير زوايا وتبويس لحى قد بات من الماضي ، ولم يعد قادراً على إقناع أحد سواء في الداخل – بغض النظر عن التكاذب القائم – أو في الخارج ، وسواء عربياً أو دولياً لأن الثقة باتت مفقودة بالكامل بهذه الطبقة السياسية العاجزة عن إتخاذ القرارات اللازمة لإنقاذ البلد أقله في المجال الإقتصادي وإصلاحاته ، وأقله بعد العام 2019 كي لا نتحدث عن السنوات الماضية ، وما ذلك – ولنقولها بصراحة – سوى لخضوعها لسطوة السلاح من جهة ، ومصالحها السياسية والشخصية من جهة أخرى ، بحيث بات توصيف ” حلف المافيا والسلاح ” توصيفاً دقيقاً للأسف وواقعياً ، الأمر الذي كان سيوصل حتماً إلى سلسلة من النكبات التي نعيشها اليوم ، سواء على المستوى السياسي الداخلي وما يتعلق بالممارسة السياسية مع الخارج ، أو على المستوى العسكري والأمني في ظل ” حرب الإسناد ” التي أطلقها حزب الله من جنوب لبنان دعماً لحركة حماس في غزة ، وبالتالي على المستويين الإقتصادي والإجتماعي ، بحيث دخل البلد في نفق طويل من الأزمات .

العقوبات الأميركية الجديدة وربما المقبلة تؤكد بأن الخروج من هذا النفق ، لن يكون إلا بمقاربات جديدة في الحياة السياسية اللبنانية

إن العقوبات الأميركية الجديدة وربما المقبلة تؤكد بأن الخروج من هذا النفق ، لن يكون إلا بمقاربات جديدة في الحياة السياسية اللبنانية بعيدة كل البعد عن الأساليب المتبعة منذ أكثر من 30 عاماً ، وهي مهمة النخب السياسية في البلد أو ما تبقى منها قديمها وجديدها ، وذلك عبر تغيير في نهجها المتَّبع ووجوهها السابقة ، فالنهج الجديد يتطلب وجوهاً جديدة لديها القدرة والخبرة على فهم لغة العصر والتقلبات السياسية في المنطقة والعالم ، بعيداً عن شعارات المراحل السابقة وفي الوقت نفسه بعيداً عن الإنهزامية بالرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها البلد ، بل عبر نظرة واقعية وحقيقية للأمور بعيداً عن الأفكار الإيديولوجية المسبقة ، مع الإستعداد لإتخاذ القرارات المناسبة التي تتطلبها مرحلة إعادة سلطة الدولة بلا لف أو دوران ، نظرة وطنية شاملة قادرة على الإحاطة بكل هواجس المجتمع اللبناني ، فالفهم الواقعي للأمور والبعيد عن لغة التحدي كفيل بالوصول بنا إلى دولة طبيعية كغيرها من دول العالم ، بحيث تكون الدولة واحدة موحدة بمؤسساتها لا شريك لها ولا مضارب ، مستقلة بمعنى البعد عن محاور الصراع في المنطقة حيث لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة على الجميع ، والخطر ربما قد يصبح وجودياً بدءاً من الجنوب وصولاً إلى كل لبنان ، وهنا لا بد من الإشارة مرة أخرى والإقرار بأن جزءاً كبيراً من هذه المهمة – مهمة التغيير في النهج والإسلوب – إنما تقع على عاتق الطائفة الشيعية بنخبها كافة وعلى رأسها الرئيس نبيه بري بما ومن يُمثِّل ، بحيث تكون بداية التغيير من عندها لأنها في هذه الظروف هي الأكثر تضرراً كونها في عين العاصفة الهوجاء التي تهب على المنطقة منذ طوفان الأقصى ، فالتراجع هنا ليس هزيمة خاصة إذا كان لمصلحة البيئة الشيعية أولاً من حيث حفظ دماء أبنائها ومحاولة إستعادة أرضها والحفاظ عليها ، وثانياً من أجل لبنان وإعادة بناء الدولة فيه ، فهنا يتحول التراجع أو لنسمها إعادة النظر إلى فضيلة ، التي هي في هذه الحال وسط بين الإفراط في الخطأ فالإنتحار ، والتفريط بالوطن بكل ما عليه من بشر وحجر ، فهل من مستجيب قبل فوات الأوان ؟

السابق
عون في مئوية الدستور: الحداثة نهجٌ في القوانين والسياسات
التالي
مضيق هرمز في قلب المواجهة… قطر تحذّر إيران!