تُعرَّف السياسة في الأدبيات الكلاسيكية بأنها “فن الممكن”؛ بوصفها ممارسةً عقلانيةً لإدارة شؤون الدولة، وتحقيق الصالح العام، وتنظيم التنافس على السلطة ضمن أطرٍ مؤسساتية راسخة. غير أن هذا التعريف يبدو شديد الاغتراب عن الواقع العراقي، حيث انحدرت السياسة من فعلٍ مؤسسي عماده التخطيط والكفاءة، إلى مسرحٍ للمهاترات الإعلامية، والخطابات الشعبوية، والمزايدات الطائفية والقومية.
يُعيدنا هذا المشهد المأزوم إلى ما طرحه عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” في سِفره الشهير “العلم والسياسة بوصفهما حرفة”. فقد وضع فيبر خطاً فاصلاً بين “من يعيش من أجل السياسة” جاعلاً منها رسالةً وقضيةً وطنية تمنح حياته معنى، وبين “من يعيش على السياسة” متخذاً إياها مطيةً لجمع الثروة، واحتكار النفوذ، وتكديس الامتيازات الشخصية. أما في العراق، فيبدو أن النموذج السائد قد ابتكر مسخاً يجمع بين الحالتين؛ إذ باتت السياسة أقصر الطرق نحو الثروة والسلطة والوجاهة، وتحول النفوذ السياسي إلى بوابةٍ مشرعة للهيمنة الاقتصادية.
متلازمة “الغرور السياسي” وزعامات الصدفة
تُستغل الشعارات الأيديولوجية والطائفية في العراق لتبرير استمرار الهيمنة على مقدرات الدولة، فيحرص السياسي على تقديم نفسه كممثلٍ حصري للطائفة أو القومية، وكأن “الوطنية” صكٌّ تمنحه الأحزاب، لا قيمة دستورية جامعة. وتتجلى سخرية هذا المشهد بوضوح خلال المواسم السياسية، ولا سيما في شهر رمضان المبارك، حيث يتحول قادة القوى والمسؤولون إلى نجوم شاشات فضائية. تتكرر هناك اللقاءات الحوارية التي يغلب عليها الاستعراض الخطابي السطحي، بعيداً عن أي مراجعة حقيقية لأداء الدولة. تُستهلك أوقات هذه البرامج في الحديث عن “إنجازات كبرى” وهمية، و”مؤامرات خارجية” جاهزة، و”حماية المكون”، بينما تُغيَّب عمداً الأسئلة الوجودية المتعلقة بالاقتصاد، والخدمات، والتعليم، والصحة، ومستقبل البلاد.
وقد أنتج هذا الواقع ظاهرة يمكن تسميتها بـ “الغرور السياسي”؛ حيث تُمنح الألقاب والمكانات الرمزية بصورة مجانية ومبالغ فيها. يُقدَّم السياسي بوصفه “زعيم المرحلة” أو “رجل الدولة”، حتى وإن قذفت به إلى موقعه تسوياتٌ وتوافقاتٌ حزبية، لا كفاءةٌ أو مشروعٌ وطني. فالحكومات العراقية المتعاقبة غالباً ما كانت وليدة “صفقات اللحظة الحرجة”؛ حين تعجز القوى السياسية عن الاتفاق على شخصية قوية، فتلجأ إلى خيارٍ توافقي باهت يضمن مصالح الجميع، ويتعهد ضمناً بعدم المساس بنظام المحاصصة القائم.
من “البلوتوقراطية” إلى “حكم اللصوص”
إن المعضلة الأساسية في التجربة السياسية العراقية لا تكمن في ضعف الأداء فحسب، بل في البنية العميقة للنظام السياسي ذاته؛ نظامٌ أنتج طبقة حاكمة ترتهن مصالحها ببقاء منظومة المحاصصة وتقاسم النفوذ. ووفقاً لبعض المقاربات، يمكن توصيف هذا النظام بأنه أقرب إلى “البلوتوقراطية” (Plutocracy) أي حكم أصحاب الثروة. إلا أن المفارقة العراقية تكمن في أن كثيراً من هؤلاء الساسة لم يكونوا أثرياء قبل ولوجهم المعترك السياسي، بل إن السياسة نفسها هي من صنعت ثرواتهم وعظّمتها.
من هنا، يصبح توصيف “الكليبتوقراطية” (Kleptocracy) أو “حكم اللصوص” هو الأكثر دقة والتصاقاً بالواقع العراقي. تتداخل السلطة بالمال بشكل فج، وتُستغل المناصب العامة لتأسيس شبكات الفساد، والمحسوبية، والاستحواذ على الموارد. وفي ظل اقتصادٍ ريعي يعتمد كلياً على عائدات النفط والغاز، تحولت الدولة من مؤسسة راعية للتنمية الوطنية إلى مجرد ساحة لتوزيع الغنائم السياسية.
سيادة هشة في عين العاصفة الإقليمية
رغم سيل الخطابات المنادية بالإصلاح وبناء الدولة، أثبتت التجربة أن معظم القوى السياسية لا تزال أسيرة حساباتها الضيقة. والأنكى من ذلك، تمسك بعضها بوجود أجنحة عسكرية موازية لمؤسسات الدولة، مما قزّم مفهوم السيادة، وحوّل العراق إلى كيانٍ هشٍّ تتنازعه مراكز نفوذ متعددة.
لقد بات الخطاب السياسي العراقي مسخاً قائماً على التناقض؛ فالسياسي الذي يزمجر بشعارات العقيدة والمبادئ اليوم، قد يرتدي عباءة “المصلحة العامة” غداً إذا ما اقتضت بورصة التسويات ذلك. هذا التلون أفقد الشارع القدرة على إيجاد معيار ثابت لمحاسبة الطبقة السياسية، إذ تتغير التحالفات وفقاً للمكاسب، لا استناداً إلى رؤية وطنية راسخة.
وفي سياق التحولات الإقليمية والدولية العاصفة، يواجه العراق تحديات وجودية، لا سيما في إدارة علاقته المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران. فمع عودة سياسة “الضغط الأقصى” الأميركية تجاه طهران، يجد العراق نفسه أمام معادلة سيرٍ على حبلٍ مشدود؛ بحكم ارتهان جزء من منظومته السياسية والأمنية بالنفوذ الإيراني، مقابل حاجته الماسة للحفاظ على شراكته الاستراتيجية مع واشنطن. ورغم محاولات الحكومة طمأنة الداخل والخارج باستقرار هذه العلاقة، إلا أن التوجهات الأميركية الأخيرة للحد من النفوذ الإيراني—وإنهاء بعض الاستثناءات المتعلقة بقطاع الطاقة—تؤكد أن العراق لا يزال يُصنَّف كساحة مركزية لتصفية الحسابات في الشرق الأوسط.
غياب الدولة وحضور الثرثرة
في ضوء هذه التعقيدات، تبدو التصريحات التي تقلل من حجم الضغوط الخارجية أقرب إلى “مُسكّنات إعلامية” منها إلى قراءة حصيفة لموازين القوى الجيوسياسية. وهنا تتجلى أزمة السياسة العراقية في أبهى صورها: خطابٌ عالي السقف، يقابله عجزٌ مدقع عن بناء دولة قادرة على اتخاذ قرارها السيادي المستقل.
إن المأزق الحقيقي في العراق ليس في شح الشعارات، بل في غياب “الدولة” بوصفها الكيان الجامع المتعالي فوق الانقسامات. فحين تتخلى السياسة عن وظيفتها النبيلة في إدارة المجتمع وصناعة المستقبل، وتنحدر لتصبح مجرد فنٍ للخطابة، وتبرير الفشل، والمناكفات؛ فإنها لا تعدو كونها “ثرثرة سياسية”، تنتج الأزمات، وتدفن الحلول تحت ركام المحاصصة.

