العفو يسقط في فخ الطوائف..والمفاوضات مع إسرائيل تحت نار الميدان

e7tijejet

دخل لبنان مجدداً في الحلقة نفسها التي حكمت حياته السياسية منذ عقود: أي محاولة لإنتاج تسوية داخلية سرعان ما تتحول إلى اشتباك طائفي مفتوح، فيما تبقى الدولة عاجزة عن فرض معيار واحد للعدالة أو حتى إدارة خلافاتها ضمن المؤسسات. هكذا سقط مشروع قانون العفو العام، لا بفعل نقاش قانوني أو دستوري، بل تحت ضغط الشارع المذهبي وحسابات القوى السياسية التي تتعامل مع الملفات القضائية والأمنية بمنطق التوازنات الطائفية لا بمنطق الدولة.

قرار رئيس مجلس النواب نبيه بري إرجاء الجلسة التشريعية لم يكن تفصيلاً إجرائياً، بل اعترافاً واضحاً بأن التوافق الذي جرى تسويقه داخل اللجان المشتركة كان هشّاً منذ البداية. فالقانون الذي قُدّم تحت عنوان “إعادة الاعتبار للعدالة” انفجر سريعاً في الشارع السنّي، مع اعتراضات رأت فيه انتقائية في التعامل مع ملفات حساسة، ولا سيما قضية الشيخ أحمد الأسير وسجناء أحداث عبرا، حيث قطع محتجون عددا من الطرقات ليل امس واحرقت الاطارات، في بيروت وعدد من المناطق.

الطائفة أقوى من القانون

ما جرى يكشف مرة جديدة أن لبنان لا يزال محكوماً بمعادلة خطيرة: العدالة تُقاس بميزان الطوائف لا بميزان القضاء. ولهذا تحوّل قانون العفو من محاولة لمعالجة أزمة السجون المزمنة إلى مادة اشتباك مذهبي، خصوصاً بعدما دخلت شخصيات سياسية على الخط، مثل النائب أشرف ريفي الذي رفع سقف الاعتراض وهدد بمقاطعة الجلسات إذا لم تشمل التسوية أحمد الأسير ورفاقه.

المشهد لم يكن قانونياً بقدر ما كان سياسياً وطائفياً. فالسلطة التي فشلت طوال سنوات في إصلاح القضاء أو تسريع المحاكمات، حاولت اللجوء إلى “عفو انتقائي” لتخفيف الاحتقان، لكنها اصطدمت سريعاً بحقيقة أن أي مقاربة غير متوازنة في بلد كلبنان ستتحول فوراً إلى أزمة هوية وانقسام مذهبي.

الأخطر أن هذا السقوط السريع للتوافقات يكرّس صورة دولة عاجزة حتى عن إدارة ملفاتها الداخلية، في وقت تواجه فيه تحديات أمنية وعسكرية غير مسبوقة على الحدود الجنوبية.

الجنوب يشتعل… والمفاوضات تتقدم

في موازاة الانفجار الداخلي، يتواصل التصعيد الإسرائيلي على الجنوب بوتيرة دموية مرتفعة. الغارات التي استهدفت الدوير ودير قانون النهر وجرود شبعا تؤكد أن إسرائيل تواصل سياسة الضغط العسكري المكثف عشية أي مسار تفاوضي مرتقب مع لبنان.

الرسالة الإسرائيلية تبدو واضحة: التفاوض يجري تحت النار، وليس بمعزل عنها. ولذلك فإن ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتوسيع بنك الأهداف يهدفان إلى فرض وقائع ميدانية قبل أي تفاهم سياسي أو أمني.

في المقابل، يواصل حزب الله عملياته العسكرية في القرى الحدودية، معلناً استهداف تجمعات وآليات إسرائيلية. لكن اللافت أن الاشتباك الميداني بات يترافق مع انتقال رسمي لبناني أكثر وضوحاً نحو خيار التفاوض المباشر، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية يوسف رجي في الرباط عندما تحدث عن السعي إلى “تحرير كامل الأراضي اللبنانية” وقيام دولة “متحررة من أي تنظيم مسلح غير شرعي”.

هذا الكلام يحمل دلالات سياسية عميقة، لأنه يربط بين إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وبين إعادة حصر السلاح بيد الدولة، في مقاربة تتقاطع مع الضغوط الدولية والعربية المطالبة بإعادة إنتاج السلطة اللبنانية على أسس مختلفة بعد حرب 2024.

أزمة الدولة لا الاقتصاد فقط

في الداخل، يحاول الرئيس جوزيف عون التركيز على خطاب استعادة الثقة والإصلاح وفتح الأسواق العربية أمام لبنان، لكن المشكلة تتجاوز الاقتصاد بكثير. فلبنان يعيش فعلياً أزمة نظام سياسي فقد قدرته على إنتاج الثقة داخلياً وخارجياً.

الدولة التي تعجز عن إقرار قانون عفو بسبب الانقسامات الطائفية، وتخوض مفاوضات مصيرية تحت ضغط السلاح والحرب، تبدو أبعد ما تكون عن الاستقرار المؤسساتي المطلوب لإنقاذ الاقتصاد أو إعادة بناء العلاقات الدولية.

ومع ذلك، فإن مشاركة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مؤتمر “لا اموال للارهاب” في باريس تعكس محاولة رسمية لإعادة وصل لبنان بالنظام المالي الدولي، خصوصاً في ظل السعي للخروج من اللائحة الرمادية واستعادة الحد الأدنى من المصداقية المالية.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى أن أي إصلاح اقتصادي أو مالي سيظل محدود الأثر ما لم يسبقه إصلاح سياسي فعلي يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويكسر الحلقة المفرغة التي تجعل كل ملف داخلي رهينة الاصطفافات المذهبية والتجاذبات الإقليمية.

في الخلاصة، يقف لبنان اليوم عند تقاطع بالغ الحساسية: تفاوض خارجي تحت النار، وانقسام داخلي تحت سقف الطوائف. وبين الاثنين، تبدو الدولة وكأنها تحاول البقاء واقفة في منتصف عاصفة لا تملك حتى الآن أدوات السيطرة عليها.

السابق
ترامب: قد أحاول الترشح لمنصب رئيس وزراء إسرائيل
التالي
بالفيديو: غضب الشارع السني يتصاعد… تحركات حاشدة في صيدا وطرابلس رفضاً لصيغة العفو العام