يتحول القانون في المقاربات الدستورية الحديثة إلى أداة لترسيخ الاستقرار وإرساء قواعد العدالة وحماية النظام العام. غير أن القوانين في التجربة اللبنانية غالباً ما تفرغ من مضامينها الفلسفية لتصبح انعكاساً لموازين القوى السياسية والتوازنات الطائفية الهشة.
يبرز “قانون العفو العام” كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل والانقسام في المشهد اللبناني، إذ يعاد طرحه مع كل منعطف سياسي أو أزمة وطنية كأداة تسوية بين القوى المهيمنة.
أثارت التعديلات الأخيرة المقترحة في اللجان النيابية المشتركة موجة عارمة من الجدل والاعتراضات، لم تقف عند حدود الصالونات السياسية، بل امتدت لتترجم تحركات غاضبة في الشارع واصطفافات متبادلة، مما دفع رئاسة المجلس النيابي إلى تأجيل الجلسة التشريعية خوفاً من انزلاق البلاد نحو فتنة مذهبية وصراع “شارع مقابل شارع”.
يفتح هذا التأجيل الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول أسباب لجوء الطبقة السياسية إلى تجاوز القوانين والدستور بشكل اعتباطي، والدوافع الكامنة وراء الإصرار على العفو عن متورطين في قضايا تمس هيبة الدولة والجيش والقضاء.
قانون العفو في المفهوم الدولي والتجربة اللبنانية
تلجأ الدول في القانون الدولي والأنظمة الدستورية المقارنة إلى قوانين العفو العام في حالات استثنائية ونادرة للغاية، ترتبط غالباً بالانتقالات السياسية الكبرى، كالأعقاب المباشرة للحروب الأهلية، أو الانتقال من الأنظمة الشمولية إلى الأنظمة الديمقراطية، بهدف تحقيق “العدالة الانتقالية” وطي صفحة الماضي وإعادة دمج المحكومين لأسباب سياسية في النسيج الاجتماعي.
يبرز “قانون العفو العام” كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل والانقسام في المشهد اللبناني، إذ يعاد طرحه مع كل منعطف سياسي أو أزمة وطنية كأداة تسوية بين القوى المهيمنة.
إقرأ أيضا: لا اتفاقَ مع ناكثي العهود..
أما في لبنان، فقد تحول “العفو العام” من إجراء استثنائي إلى أداة دورية مكررة لخدمة النظام الزبائني.
تاريخ اللجوء إلى هذه القوانين في لبنان (وأبرزها قانون العفو عام 1991 بعد انتهاء الحرب الأهلية) يظهر أنه لم يُصمم كجزء من رؤية متكاملة للمصالحة الوطنية أو لإصلاح المنظومة القضائية والسجون، بل جاء كترجمة لـ”عفو متبادل” بين أمراء الحرب الذين تحولوا إلى رجال دولة.
تكمن المشكلة الحالية في أن المحاولات المستمرة لإقرار عفو جديد لا تستند إلى معايير قانونية أو إنسانية واضحة، بل تخضع لعملية “محاصصة جنائية” تهدف إلى إرضاء القواعد الشعبية والمذهبية لكل طرف سياسي على حدة.
المحاصصة الطائفية وسيكولوجية “التوازن في الجريمة”
يرتبط تعطل أو دفع قوانين العفو في لبنان ببنية النظام الطائفي القائم على الديمقراطية التوافقية، والتي تتحول في الأزمات إلى فيتو متبادل يعطل المؤسسات.
يتوزع الموقوفون والمطلوبون في السجون اللبنانية على خلفيات ومناطق جغرافية ذات ثقل طائفي محدد، مما جعل مقاربة الملف تتم عبر معادلة مقايضة واضحة:
| الكتلة الموقوفة | الخلفية المذهبية/السياسية | المطالب السياسية المقابلة |
|---|---|---|
| موقوفو أحداث عبرا وطرابلس | إسلاميون من الطائفة السنية | يطالب الشارع السني بالعفو عنهم لرفع ما يراه “مظلومية وتحقيقاً للتوازن”. |
| مطلوبو ملفات المخدرات والسرقة | عشائر في مناطق البقاع والجنوب (شيعية) | تضغط قوى سياسية لشمولهم بالعفو كاستجابة لمطالب عشائرية وعائلية. |
| الفارون إلى إسرائيل عام 2000 | مسيحيون (جيش لبنان الجنوبي السابق) | يصر التيار الوطني الحر وقوى مسيحية على تسوية أوضاعهم تحت عنوان “المبعدين قسراً”. |
تؤدي هذه المعادلة الثلاثية إلى غياب أي معيار موضوعي لتصنيف الجرائم؛ فالسياسي اللبناني لا ينظر إلى الجريمة من منظور القانون الجنائي أو الأثر الاجتماعي، بل من منظور الهوية المذهبية للمرتكب.
هذا الواقع أدى إلى نشوء ما يمكن تسميته بسيكولوجية “التوازن في الجريمة”، حيث يرفض أي طرف إقرار عفو عن جماعة الطرف الآخر دون الحصول على سلة إعفاءات موازية لجماعته، حتى لو شملت تلك الإعفاءات مرتكبين لجنايات خطيرة أو اعتداءات على الأمن العام.
ضرب هيبة الدولة والجيش والقضاء
إن الخطورة الكبرى للمشاريع المطروحة للعفو العام تكمن في تجاوزها لـ”الخطوط الحمر” المتعلقة بسلامة المؤسسات الضامنة للاستقرار، وعلى رأسها الجيش اللبناني والسلطة القضائية. عندما تشمل التعديلات أو الصيغ المقترحة تخفيف العقوبات أو إسقاط التهم عن المتورطين في دماء العسكريين (كما في مواجهات نهر البارد، أو أحداث عبرا، أو عرسال)، فإن الدولة تبعث برسالة سلبية خطيرة إلى مؤسستها العسكرية والأمنية.
تكمن المشكلة الحالية في أن المحاولات المستمرة لإقرار عفو جديد لا تستند إلى معايير قانونية أو إنسانية واضحة، بل تخضع لعملية “محاصصة جنائية” تهدف إلى إرضاء القواعد الشعبية والمذهبية لكل طرف سياسي على حدة
بالتوازي مع ذلك، يتلقى الجسم القضائي ضربة موجعة جراء هذه التدخلات، فالقضاء الذي يستغرق سنوات في التحقيق وجمع الأدلة وإصدار الأحكام يجد نفسه ملغىً بقرار سياسي فوقي. يكرس هذا السلوك مفهوم “دولة الاستثناء” حيث تصبح الأحكام القضائية مجرد اقتراحات يمكن إبطالها في أي تسوية، مما يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة الشعبية في القضاء، ويدفع باتجاه تفلت السلاح وأخذ الحقوق باليد في ظل غياب المحاسبة.
تحركات الشارع ومخاطر الفتنة: “شارع مقابل شارع”
لم يعد الشارع اللبناني مجرد مراقب للعملية السياسية، بل بات شريكاً في تعطيلها أو فرض إيقاعها. أدت التعديلات التي أقرتها اللجان النيابية إلى استنفار فوري للشارع المقابل، إذ اعتبرت أهالي شهداء الجيش اللبناني وشرائح واسعة من المجتمع المدني والقوى السياسية المعارضة أن القانون المقترح يمثل طعنة للعدالة ومكافأة للمجرمين. في المقابل، تحركت عائلات الموقوفين الإسلاميين وموقوفي البقاع في تظاهرات مضادة، مطالبين بالإقرار السريع للقانون ورفض تسييسه أو تجزئته.
هذا الانقسام العمودي خلق مناخاً أمنياً شديد الخطورة، تجلت فيه بوضوح معالم صراع الهويات المذهبية.
إن تخوف رئاسة المجلس النيابي من “الفتنة والاصطفافات” كان اعترافاً صريحاً بأن المنظومة السياسية عاجزة عن ضبط الشارع الذي شحنته بنفسها على مدى سنوات. تحول البرلمان، الذي يُفترض أن يكون ساحة للنقاش التشريعي العقلاني، إلى مرآة تعكس التوترات الطائفية، مما جعل تأجيل الجلسة خطوة اضطرارية لمنع الانفجار، لكنها في الوقت نفسه كرست عجز الدولة عن حسم الملفات السيادية بالقانون.
تجاوز الدستور والاعتباطية التشريعية
يطرح إصرار الأحزاب على تجاوز القوانين والدستور بشكل اعتباطي علامات استفهام حول طبيعة العقد الاجتماعي في لبنان. تنص مقدمة الدستور اللبناني على أن لبنان “جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل”.
إن إقرار قانون عفو لا يستند إلى ضوابط صارمة يمثل خرقاً فاضحاً لمبدأ المساواة أمام القانون، إذ يكافئ المرتكب على حساب المواطن الملتزم بالقانون، ويحرم الضحايا وأهاليهم من حقهم الأساسي في العدالة والتعويض المعنوي والقانوني.
إقرأ أيضا: علي الأمين: القرار اللبناني بيد الحكومة ومسألة سلاح حزب الله لم تعد قابلة للتأجيل
تأتي هذه الاعتباطية نتيجة لغياب المحاسبة السياسية، فالأحزاب الحاكمة تدرك أن جمهورها سيعود لانتخابها ما دامت تقدم نفسها كحامٍ للمذهب وكمنقذ لأبنائه من السجون، حتى لو كان ذلك على حساب انهيار هيكل الدولة بالكامل. إن لجوء السياسيين إلى هذا الأسلوب التشريعي يعكس رغبة في تجديد شرعيتهم الزبائنية على حساب إضعاف مؤسسات الدولة المركزية.
إن أزمة قانون العفو العام في لبنان ليست مجرد خلاف حول بنود تشريعية أو أعداد مساجين، بل هي تجسيد حي لأزمة الحكم والنظام الإشراكي الطائفي الذي يقدم المصلحة الفئوية والحزبية على مصلحة الدولة العليا. إن التراجع المؤقت وتأجيل الجلسة النيابية خوفاً من الصدام في الشارع لا يعني حل المشكلة، بل هو ترحيل لها إلى تسوية قادمة قد تكون أكثر تشوهاً.
إن بناء دولة حقيقية في لبنان يتطلب الإدراك بأن العدالة لا يمكن مقايضتها، وأن الأمن الاستباقي وحماية السلم الأهلي لا يتحققان بإطلاق سراح المتورطين في دماء المواطنين والعسكريين، بل بترسيخ استقلالية القضاء، وتسريع المحاكمات، وتحسين ظروف السجون الإنسانية. وما لم يتم الخروج من دوامة “العفو الطائفي المتبادل”، سيبقى لبنان يتأرجح بين دولة تحكمها القوانين، ودويلات تحكمها الصفقات على حساب دماء الضحايا وهيبة المؤسسات.

