لا اتفاقَ مع ناكثي العهود..

حارث سليمان

يُطالب الرئيس نبيه بري رئيسَ الجمهورية، ورئيسَ الحكومة، بإنجازِ وقفٍ لإطلاق النار مع إسرائيل، ويتناسى بري أن هذا الأمر ليس بيد رئيس الجمهورية ولا بين أيدي رئيس الحكومة، فالاشتباكات العسكرية وعمليات القصف المتبادل التي تجري في جنوب لبنان هي من فعل جيش الاحتلال الإسرائيلي وقوات حزب الله، ومن يطلق النار هو من يوقفها، وبالتالي فإنّ الرئيس بري قد أخطأ العنوان! وكان عليه إمّا أن يتوجه إلى بنيامين نتنياهو ويطلب منه وقفاً لإطلاق النار، وإمّا أن يتوجه إلى حزب الله، الذي ينتظر وقفاً لإطلاق النار وَعَدَه به عباس عراقجي، وزير خارجية إيران، بعد إنجاز نصره الإلهي على الشيطان الأكبر.

وهو أمر لم يفعله بري سابقاً، حين تولّى التفاوض باسم حزب الله لوضع نهاية لحرب إسناد غزة، فأنجز اتفاقاً قَبِلَه حزب الله، وسمح لإسرائيل بأن تتابع تنفيذ مَقْتَلَةٍ طالت ٦٠٠ شاب من حزب الله، إضافةً إلى تدمير مئات المواقع والمقرات الحزبية.

أزمة الثقة وتكرار النكث بالاتفاقات

ولعل الوصول مجدداً إلى وقف إطلاق نار ثابت وشامل ومستقر في كل لبنان تمنعه عقبات كأداء، أولها: النفاق المتراكم الذي مارسه حزب الله خلال عشرات السنوات، وتَمَلُّصُه من الاتفاقات ونكثُه بالالتزامات.

القرار 1701 وما تلاه

·       في سنة ٢٠٠٦ انتهت الحرب بصدور قرار مجلس الأمن 1701 عن مجلس الأمن، والذي يقضي بانسحاب حزب الله وسلاحه من جنوب الليطاني، وتسليم هذه المنطقة لقوات من اليونيفيل والجيش اللبناني، وقيام منطقة خالية من أي سلاح غير شرعي جنوب الليطاني، ولا وجود مسلحاً لحزب الله فيها. لكن حزب الله وحركة أمل، اللذين وافقا على هذا القرار في الحكومة اللبنانية، عَمَدَا إلى التملص من تنفيذ هذا القرار ورفضا تطبيقه والالتزام به، فقام حزب الله ببناء الأنفاق والمراكز العسكرية ومخازن الأسلحة والتحصينات العسكرية بأنفاق حفرها تحت بيوت السكان المدنيين في مختلف قرى الجنوب، كما أظهرتها وفضحتها الوقائع والحقائق التي تكشفت خلال الحرب الأخيرة، كما قام بحفر ثلاثة أنفاق على الأقل تمتد من الأراضي اللبنانية إلى داخل الأراضي الفلسطينية، وقد كشفتها إسرائيل، وقامت قوات اليونيفيل بتفجيرها وإزالتها.

الوصول مجدداً إلى وقف إطلاق نار ثابت وشامل ومستقر في كل لبنان تمنعه عقبات كأداء، أولها: النفاق المتراكم الذي مارسه حزب الله خلال عشرات السنوات، وتَمَلُّصُه من الاتفاقات ونكثُه بالالتزامات.

تعطيل عمل اليونيفيل

·       لم يكتفِ حزب الله بإقامة بنية عسكرية وتحصينات تحت بيوت المدنيين والأهالي، بل عمد إلى تكليف “الأهالي” بإعاقة عمل القوات الدولية أثناء عمليات التفتيش والمراقبة لتجاوزاته ومخالفاته. وقد حدثت خلال السنوات الماضية عشرات حوادث المواجهة بين “الأهالي” وقوات اليونيفيل أثناء قيام القوات الدولية بمداهمة مراكز حزب الله العسكرية أو مداخل أنفاقه ومخازن أسلحته، وقد لعب ضباط من مخابرات الجيش اللبناني دوراً متواطئاً مع حزب الله لتعطيل دور الأمم المتحدة وتسهيل عمل حزب الله.

اتفاق الإذعان وشروطه

·       ورد في اتفاق الإذعان للعدو، الذي أنجزه الرئيس بري في ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٤، بنودٌ تنص:

١- على نزع سلاح حزب الله في كل لبنان، ابتداءً من منطقة جنوب الليطاني.

٢- على منع حزب الله من إعادة بناء قواته وقدراته العسكرية.

٣- التعهد من الدولة اللبنانية بتنفيذ حصرية السلاح في أيدي قواتها الشرعية، وعلى منع استقدام أية أسلحة عبر الحدود لغير الدولة اللبنانية، وقد احتفظت إسرائيل، من خلال الاتفاق، لنفسها بـ”حق” مراقبة ذلك والتدخل العسكري والقيام بهجمات حين ترى ذلك مفيداً لها.

كما نصّ اتفاق الإذعان هذا على أن يتولى الجيش اللبناني، من خلال لجنة الميكانيزم، تفكيك أية بنية عسكرية لحزب الله إذا طلبت إسرائيل ذلك.

لم يكتفِ حزب الله بإقامة بنية عسكرية وتحصينات تحت بيوت المدنيين والأهالي، بل عمد إلى تكليف “الأهالي” بإعاقة عمل القوات الدولية أثناء عمليات التفتيش والمراقبة لتجاوزاته ومخالفاته.

قرارات الحكومة والواقع الميداني

·       قامت الحكومة اللبنانية في ٢ و٣ آب باتخاذ قرارات بتنفيذ حصرية السلاح بيد القوات العسكرية الشرعية للدولة، عبر جدولة خطة زمنية من خمس مراحل تبدأ بمنطقة جنوب الليطاني، وأعلنت قيادة الجيش اللبناني أنها أنجزت المرحلة الأولى من الخطة في نهاية سنة ٢٠٢٥، وأصبحت منطقة جنوب الليطاني تحت السيطرة العملانية الكاملة للجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة، وتم تبني ذلك من لجنة الميكانيزم التي يشرف عليها ضابط أميركي.

·       لكن كل هذا النفاق وعدم المصداقية وعدم الالتزام بالتواقيع والعهود ظهر لحظة اغتيال علي خامنئي، فلا جنوب الليطاني كان خالياً من سلاح حزب الله، ولا الجيش اللبناني نفذ ما طُلب منه وما أَعلن إنجازَه! وتبين أن حزب الله قد أعاد بناءَ جُزءٍ كبير من قواته، فانطلقت صواريخه إلى المستعمرات والمدن الإسرائيلية، ثم اندلعت اشتباكات عسكرية في المدن الحدودية في الخيام والطيبة ودير سريان وشمع وصولاً إلى بنت جبيل.

لبنان بين الوحش الإسرائيلي وفقدان المصداقية

·       اليوم يريد بري وقفاً لإطلاق النار، ومطلوب من المجتمع العربي والدولي، ومن أميركا تحديداً، أن تصدق مرة أخرى الثنائية الشيعية وتعقد معها ومع الدولة اللبنانية اتفاقات فيها التزامات متبادلة، من ضمنها وقف لإطلاق النار.

ينسى الرئيس بري، ومعه حزب الله، حقيقة بديهية:

·       لا جدوى من اتفاق مع منافق ينكث تكراراً بالتزاماته وتعهداته.

·       الحقيقة المرة التي أوصلنا إليها نبيه بري وحزب الله هي أن لبنان قد تُرك لقمة سائغة في فم الوحش الإسرائيلي، بعد أن قدم حزب الله لإسرائيل كل الذرائع التي تبرر الجرائم التي تمارسها؛ فتدمير القرى هو تفجير للأنفاق التي بُنيت تحت المنازل.

·       وتهجير السكان هو إفراغ للمنطقة من “الأهالي” الذين أعاقوا عمل اليونيفيل.

·       وعدم السماح للنازحين بالعودة إلى بيوتهم هو تفكيك لـ”بيئة حزب الله” التي ادعى الحزب أنه أنجز عسكرتها، ونزع عنها، بصلافته، براءة المدنيين العزل.

اليوم يريد بري وقفاً لإطلاق النار، ومطلوب من المجتمع العربي والدولي، ومن أميركا تحديداً، أن تصدق مرة أخرى الثنائية الشيعية وتعقد معها ومع الدولة اللبنانية اتفاقات فيها التزامات متبادلة، من ضمنها وقف لإطلاق النار.

جرائم الحرب وصمت العالم

جرائم إسرائيل هذه مخالفة للقانون الدولي، وتعد جرائم حرب حسب القانون الدولي الإنساني، لكن تراكم النفاق وتكرار الحماقات قد أغمض عيون العالم عن هذه الجرائم. لقد رأينا كيف تحرك العالم استنكاراً لجرائم إسرائيل في غزة! فهل تحرك أحد لاستنكار جرائمها في لبنان!؟

طبعاً، فالنفاق المتراكم جعل من وقف إطلاق النار أمراً صعباً أو مستحيلاً مع حزب الله.

السابق
الحق بالوجع
التالي
تصعيد اسرائيلي واسع: غارات دامية وقصف مدفعي لبلدات وقرى جنوبية