حين تتحوّل البندقية إلى عقيدة… كيف ضاع الوطن بين الخوف والتقديس؟

جنوب لبنان علم لبناني فوق الركام

ليس كل من حمل بندقية صار حارسًا للوطن، ولا كل من رفع شعارًا عرف وجهته. أحيانًا تتحوّل الوسيلة إلى عقيدة، والعقيدة إلى غاية، فيُختزل البلد في خندق، ويُختزل الناس في حسابات، وهناك تبدأ المفارقة الثقيلة. يُقال إن الغرق سباحة، وإن النزيف علامة عافية، وإن كثرة الحرائق دليل الدفء.

الجنوب بين “الرواية الواحدة” وتقديس الضرورة

منذ 1982 كُتبت للجنوب رواية واحدة، كأنها قدر لا يُناقَش: طريق لا بديل له، ومن لم يسلكه سقط من سجل الشرف. غير أنّ التاريخ — حين يُقرأ بلا موسيقى ولا مكبّرات — لا يعترف بالأحادية. يعترف بسوء تقدير حين يُقدَّس، وبخطأ حين يُلبس ثوب الضرورة. فالضرورة في السياسة كلمة مريبة، تُعطِّل السؤال، وتسترخص الدم، وتحوّل الكلفة البشرية إلى هامش صغير يُوقَّع في أسفل الصفحة.

كانت البلاد ممزّقة والحرب الأهلية قائمة، لكن الفراغ لم يكن مطلقًا. الدولة — على ضعفها — كانت الإطار الوحيد القابل للتوسيع والمأسسة والتدويل، فالمؤسسات تعمل على علّاتها، وإدارة قائمة، وجيش يُعاد لمّه بالتدرّج، ونوافذ عربية ودولية لم تكن موصدة. والبديل لم يكن غياب الدولة، بل قيام دويلات. والتاريخ لا يحتفظ بصورة واحدة لدويلاتٍ مسلّحة أنقذت وطنًا، بل يحتفظ بخرائط أصغر مرسومة فوق مقابر أكبر. السعي إلى مرجعية جامعة كان طريقًا لتقليل الاحتراب وضبط السلاح، بينما الاحتكار أطال التمزّق ورسّخ الانقسام ثم اشتكى من طول الطريق.

ولا يمكن — إن أردنا الصدق — أن نغضّ الطرف عن الدم الذي سُفك داخل البيت الواحد. في سنوات الاقتتال الداخلي، قُتل شيعة على يد شيعة في حرب الأخوة التي حملت اسم “معركة قرار الجنوب”، وصُفّي خصوم سياسيون باسم “التكليف” و”الفتوى”، وتحوّل الخلاف إلى معركة وجود داخل الطائفة نفسها. لا تُمحى هذه الصفحات بتبديل العناوين، فالدم دم، والفتوى التي تُجيز سفكه لا تصير أنقى لأنها رُفعت باسم السماء. الدين، إذا استُدعي ليحسم نزاع سلطة، يفقد من جلاله ما يكفي ليبقى جرحًا في الذاكرة لا درسًا في الأخلاق.

الدولة أم الطائفة؟

الجغرافيا لا تصنع هوية قتالية، بل تؤصّل صنع مسؤولية وطنية لا تتجزأ، والحدود لا تُنتج طائفية، بل تفرض سياسة. حين ضاق الإطار وانغلق، انسحب الآخرون نفسيًا، لا لأنهم غير معنيين، بل لأن المعنى ضاق بهم… فتأمّل.

ولا يمكن أن نغضّ الطرف عن الدم الذي سُفك داخل البيت الواحد. في سنوات الاقتتال الداخلي، قُتل شيعة على يد شيعة في حرب الأخوة التي حملت اسم “معركة قرار الجنوب”، وصُفّي خصوم سياسيون باسم “التكليف” و”الفتوى”

إن نجاح السياسة الدفاعية يُقاس بمدى توسيع الكلفة على الخصم وتقليلها على المجتمع، لا العكس. وكلما تطيّف الخطاب تقلّص الإجماع، وكلما اتّسع الإطار الوطني زادت القدرة على التدويل والضغط.

الخوف من عدوٍّ متربّص دائم لا يُدار بالخوف كسياسة، ومواجهة خصم أقوى لا تكون بتحويل المجتمع إلى بندقية دائمة، لأن البندقية الدائمة لا تُنتج ردعًا مستدامًا، بل تُنتج استثناءً دائمًا. وفي وطنٍ تُمسك توازنَه سبع عشرة طائفة، يصبح الاستثناء الدائم لفئةٍ واحدة — مهما رفعت من شعارات المقاومة — ثغرةً في جدار الدولة، يتسرّب منها اختلال العدالة، حتى يغدو السلاح ميزان الحقوق بدل أن يكون القانون ميزان الجميع.

الردع ليس عدد الصواريخ بقدر ما هو من يملك قرار استخدامها، وكيف تُدار كلفتها، وعلى من تقع فاتورتها. حين يكون القرار خارج الدولة يصبح الردع فئويا لا وطنيًا، مؤقتًا لا مؤسّسًا، ويُستدرج إلى حروب يُحدَّد توقيتها في مكان، وتُدفَع كلفتها في مكان آخر.

“التقيّة” بين الحكمة والسخرية

وهنا تُستحضر كلمة قديمة ليُسخر منها كأنها طرفة: “التقيّة”. يُلوَّح بها ليُقال إن الصمت يريد تحرير الأرض، وإن الشاي والقهوة بديلان عن الدبابة، والحقيقة أبعد من هذا الاستهزاء. التقيّة، في أصلها، فقه حفظ النفس حين تصير المجابهة المباشرة انتحارًا بلا ثمرة. هي عقل الأقليات حين يمرّ فوقها طغيانٌ لو أراد أن يزيح الجبال لأزاحها، فتختار إنقاذ الناس والدين والذاكرة بدل تسليم الجميع لسكينٍ واحدة ثم التفاخر بنقاء النصل. لم تأتِ التقية من فراغ، بل من نصٍّ قرآني صريح يفتح باب الإكراه ويدفع عنه الإثم، ومن تراثٍ فقهيّ جعلها في موضعها الطبيعي تدبيرًا لزمن القهر، لا عقيدة دائمة تُؤبّد الخوف.

لماذا تُشوَّه إذن؟ لأن التقيّة — حين تُفهم كما هي — تفضح وهمًا شائعًا: أن الصراخ اصبح سياسة، وأن الموت بحاجة لبرهان. التقيّة تقول بحكمة العقل: ليس كل مقام هو مقام مواجهة، وليس كل زمان هو زمان سيف. تقول إن الغاية الكبرى حفظ الأنفس وحفظ الدين، لا تقديم البشر قرابين لراية بلا سقف. وحين يُسخر منها بعبارات السوق — “بدك تقاوم بالتقيّة؟” — يبدو المشهد كرجل يضحك من الخوذة لأنه يفضّل إثبات شجاعته بجمجمة مكشوفة. لا يضحك لأنه فهم الفكرة، بل لأنه يحتاج إسقاطها ليبقى وحده صاحب الحق في تعريف البطولة. هو يحتاج ذريعة دائمة، إلى عدو دائم، ليبقى ثملًا “بكؤوس الدماء” التي أزهقها في سبيل عاقبته خراب البلاد والعباد.

التقيّة، في أصلها، فقه حفظ النفس حين تصير المجابهة المباشرة انتحارًا بلا ثمرة. هي عقل الأقليات حين يمرّ فوقها طغيانٌ لو أراد أن يزيح الجبال لأزاحها، فتختار إنقاذ الناس والدين والذاكرة بدل تسليم الجميع لسكينٍ واحدة ثم التفاخر بنقاء النصل.

ازدواجية الخطاب وكلفة الواقع

الأغرب أن من يستخفّ بحكمة حفظ النفس يمارسها حين تشتد الكلفة دون أن يسمّيها. يفاوض حين تعلو الفاتورة، ويهدأ حين تتغيّر الرياح، ويرفع الصوت حين يأمن ويخفضه حين يخاف. ما يكون تدبيرًا عنده يصير جبنًا عند غيره. ازدواجية ناعمة في الخطاب، قاسية في النتائج.

كانت البدائل واضحة وعملية، لا شعارات تُعلّق على الجدران: توحيد القرار الوطني بمرجعية دولة لا احتكار فيها، تحديد وظيفة السلاح بزمن وتسليمه عند انتهاء ظرفه، ردع مركّب يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية والقانونية على المعتدي بدل رفع الكلفة البشرية على المجتمع، تجميد الصراع حين يستحيل الحسم لإدارة الاحتكاك وحماية الناس والبنى وشراء الوقت، وبناء دولة قوية — جيش واحد، مؤسسات واحدة، اقتصاد حيّ — لأن الدولة وحدها تجعل التربّص عبئًا على المتربّص لا لعنةً على أهل البلد.

ما بعد 2000… سقوط المبررات

ثم جاء ما بعد 2000، فسقطت الحجج واحدة تلو الأخرى. انتهى الاحتلال المباشر وبقي السلاح بلا وظيفة وطنية محدّدة. تحوّل الردع إلى قرار أحادي، واندلعت حرب 2006 بكلفتها الهائلة. ثم اتّسع الدور خارج الحدود، ودخلت البلاد لعبة المحاور: تدخل في سوريا تحت ذرائع لا تنتهي، تمدّد إقليمي، تحدٍّ لدول العالم، عقوبات، عزلة، وانهيار اقتصادي. لم يتراجع التربّص، بل تضاعفت كلفته علينا وحدنا. هذا ليس درسًا في التاريخ، هذا كشف حساب نضعه أمام كل ذي لب عاقل.

سؤال الدولة المؤجَّل

والمفارقة الأشد أن من صادر القرار باسم الحماية صار واعظًا في السيادة، ومن حوّل الأرض إلى ساحة بكى على الخراب وكأنه طقس، ومن قدّس الأداة اتهم العقل بالخيانة. كأن السكين تُلقي درسًا في الرحمة، وكأن الضجيج معيار الحكمة.

فماذا لو أُعيد تعريف الدفاع تعريفًا دولتيًا لا فئويًا؟

ماذا لو صار الجيش قائدًا لا شاهدًا؟

ماذا لو تحوّلت الاستراتيجية إلى عقدٍ ملزم لا عنوانٍ للاستعراض؟

ماذا لو فُهم أن الخطر لا يُدار بالاستثناء، لأن الاستثناء ذاته يتحوّل إلى خطر؟

وماذا لو اكتشفنا — متأخرين — أن الاحتقار الذي وُجِّه لحكمة حفظ النفس لم يكن إلا جسرًا لتقديس موتٍ بلا سقف؟

التاريخ لا يُكافئ الضجيج. ينحاز لمن قدّم الإنسان على الأسطورة، والعقل على الهتاف، والنجاة على الغرق.

السابق
«المواد الغذائية متوافرة بكميات وافرة».. نقيب المستوردين هاني بحصلي يطمئن اللبنانيين عشية الأضحى
التالي
«الزراعة ركيزة الصمود الوطني».. نزار هاني يستعرض الأرقام الصادمة لتداعيات الحرب على الأمن الغذائي