ألكتابُ الصّادر، حديثاً، عن “دار الفارابي” في بيروت (في طبعةٍ أولى 2025)، تحت عنوان: “تأثيرُ سارتر في أدب سهيل إدريس / بحثٌ في الأدب المُقارَن”، هو كتابٌ جديد للباحثة الجزائريّة الدكتورة في الأدب الفرنسي والمُقارَن، غنية شتوح.
وهذا الكتاب يُعالِج مسألةَ تأثُّر الأديب اللبنانيّ المعروف الدكتور سهيل إدريس بالفكر الوجوديّ للفيلسوف والأديب الفرنسيّ جان بول سارتر.
قراءة معمّقة في أدب سهيل إدريس
ويكتشف قارئُ هذا الكتاب كم هي عميقةٌ قراءةُ شتوح للمضامين الكلّيّة لمعظم الأعمال الإبداعيّة المتنوّعة لسهيل إدريس. ذلك لأنّ هذه القراءة هي التي جعلت الباحثة تكتشف أنّ أدب سهيل إدريس هو أدبٌ عامرٌ بمظاهر تأثّرٍ كثيرة، عديدة ومختلفة، بالأفكار الوجوديّة السارتريّة؛ وأنّ لهذه المظاهر، كافّة، ماهيّةً أدبيّة ترسم لها شتوح، (عبر مقارنةٍ بحثيّةٍ تحليليّة تتّصف بنقديّةٍ موضوعيّة)، صورةً كاملة وواضحة، في هذا الكتاب (الذي قوامه 319 صفحة من القطع الكبير).
بنية الكتاب ومحتوياته
وتتألّف محتويات هذا الكتاب من: مقدّمة، وتمهيد، وخمسة فصول، وخاتمة.
وممّا جاء في مقدّمة هذا الكتاب، نورد الآتي:
“… إنّني ارتأيت تخصيص هذا البحث لسارتر، دون غيره، لأنّ أمرين أثارا فضولي، أوّلهما تسابق المثقّفين العرب – ابتداءً من الخمسينيّات – على ترجمة آثاره، ممّا جعلني أتطلّع لمعرفة أسباب هذا الحماس وكيفيّة تفاعل أدب أمّةٍ مؤمنةٍ مع أفكار فيلسوفٍ وأديبٍ انطلق من موقف الإلحاد، وثانيهما ذلك التناقض (الظاهري) المتمثّل في دعوة مؤلّف الغثيان إلى الأدب الملتزم.
“وهكذا، قادني سارتر العبثي، صاحب التمرّد الميتافيزيقي، إلى سارتر المنضوي الذي جعل الحياة الإنسانية “تبدأ على الجانب الآخر من اليأس”. وهنا، وجدت فيه ضالتي، باعتباره أوّل أديبٍ ألفيته يدرك “بشرية” القارئ ويحقّق إنسانيّته، إذ يلتقيه في أسفل دركٍ من القنوط واليأس، فينتشله من براثنهما ليرتفع به رويداً رويداً إلى قمّة التفاؤل والنشاط الملتزم.
“إذن، اخترت سارتر لإعجابي بموقفه من الحياة، وليس لإعجابي بمواقفه السياسية، اخترته لأنّه، قبل كلّ شيء، إنسان سقط لكنه عرف كيف ينهض (…).”
اكتشاف سهيل إدريس عبر سارتر
“أمّا المرحوم سهيل إدريس، فلم أكن أعرفه قبل بحثي، إذ شاءت المفارقات أن أكتشفه “في طريق” سارتر بدل أن أكتشف سارتر “عن طريقه”. لكنني لمّا اهتديت إليه أدركت فيه النموذج الذي يصلح لدراستي، ثم زادني إعجاباً به اهتمامه بقضايا العروبة عموماً، وتقديمه لإنتاج سارتر على نحوٍ أبرز معه، بالخصوص، المبادئ الانضوائية الجديرة بتصحيح صورة الانعزالية والعبثية والإلحاد الفاقع التي يعطيها عنه، دون سواها، بعض باتري الوجودية.
“ولمّا كان موضوع بحثي في البداية هو “سارتر في الأدب العربي”، ووجدت نفسي أمام مادة واسعة، تحتم عليّ الاقتصار على سهيل إدريس في علاقته مع سارتر، ومن هنا صار موضوعي هو: “تأثير سارتر في أدب سهيل إدريس”.
تطوّر الفكر السارتري في الدراسة
“وإذ كان ذلك يستلزم جلاء أهمّ مميزات سارتر المفكّر والأديب – حتى أقف على الصورة الصحيحة لما استقطب انتباه سهيل إدريس وما لم يجد صدىً في كتاباته – خصصت تمهيداً للتعريف بسارتر من خلال آثاره الفلسفية والأدبية معاً، متتبعة تطوره الفكري في شتى مراحله، حتى أستبين في الفصول التالية نوعية المبادئ التي استساغها إدريس وطبيعة ما نبذه من المواقف والأفكار والأشكال التعبيرية التي ابتكرها سارتر على مرّ رحلته الفكرية.
“ففي التمهيد حدّدت الأطر الثلاثة التي مرّ بها الفكر السارتري، بدءاً بمرحلة التشاؤم والنظرة الانعزالية، ففترة النزوح إلى “أخلاقية العمل والانضواء”، ثم حقبة الثبات في موقفٍ نضاليّ التزاميّ كرّس فيه كلّ نشاطاته الفكرية والعملية لمحاربة المظالم التي شهدها عصره، في معظم أرجاء المعمورة.”
فصول الكتاب ومحاوره النقدية
“وكان من الضروري بعد ذلك أن أتثبت من طبيعة العلاقة التي تربط بين الأديبين، فعنونت الفصل الأول “سهيل إدريس وسارتر”، وبيّنت فيه أنّ الأوّل شديد الاهتمام بكل ما يصدر عن الثاني من مواقف وأفكار، بقي شغوفاً بها طوال ربع قرن ونيّف، كان إعجابه فيها بالجانب السياسي أرجح من إعجابه بالجانبين الفلسفي والأدبي. وكرّست الفصل الثاني للحي اللاتيني، أولى روايات إدريس، وأكثرها دلالة على شدة تأثّره به، فدرست ما ترسّب فيها من دروب الحرية، وركّزت خصوصاً على مظاهر التأثّر المتعلقة بالمضمون، فقسمتها إلى صنفين، يضم أوّلهما المبادئ الإيجابية أو التي لها تأثير مباشر في حياتنا اليومية، ويحتوي ثانيهما على المبادئ الفلسفية التجريدية.
“أمّا الفصل الثالث، فخصصته للخندق الغميق، ثاني روايات إدريس وأكثرها دلالة على تحرّره – النسبي – من تأثير سارتر. وفي هذا الفصل أشرت إلى الخلفية الوجودية للرواية، وتعرّضت لما يُستشف، في بنائها الفنّي، من أصداء لمسرحية الأيدي القذرة. ثم أدرجت في إطار الفصل الرابع دراسة أصابعنا التي تحترق، ثالث روايات إدريس وأكثرها تعبيراً عن أنّه قد استفاد من الأعوام التسعة التي تفصلها عن الرواية الأولى ليحقق – نسبياً – استقلاله إزاء سارتر في المجال الفلسفي، دون مجالي السياسة ونظرية الأدب. وكان موضوع الفصل الخامس هو نظرية الأدب التي دعا إليها إدريس في مقالاته المنشورة من 1953 حتى 1981. وقد بيّنت أنّ تأثّره فيها بسارتر يندرج تحت إطار ثلاثة محاور هي: “أدب المواقف”، “المطلق في صميم النسبية”، و”الشهادة”. ولئن ضربت صفحاً عن أقاصيص إدريس ومسرحياته، فلأنّ مظاهر التأثّر الواردة فيها هي نفس ما يُلاحظ في رواياته، ولأن جمع شتات تلك الأنواع الأدبية الصغيرة الحجم لن يعوض في شيء ما يثقل به البحث من تكلّف لا مندوحة عنه.”
التأثّر لا يلغي الأصالة
وتنهي الكاتبة مقدّمة هذا الكتاب بالتوضيح التالي:
“وإذا كانت هذه الدراسة تركز على ظاهرة التأثّر، الطبيعية في كل الآداب، والموجودة حتى في أعمال أعظم الكتّاب العالميين، فإنها لا تنفي على الإطلاق أهمية الدور الكبير الذي لعبه المرحوم سهيل إدريس في خدمة الأمة العربية وإثراء تراثها الفكري والسياسي والأدبي.”

