بين سيادة بيروت وبراغماتية طهران: هل يملك الولي الفقيه حق التفاوض نيابةً عن لبنان؟

لبنان وايران
إن محاولة إيران إقحام لبنان كبند في اتفاقها مع الولايات المتحدة هو إجراء باطل قانوناً، ومرفوض سيادياً، ومؤذٍ ميدانياً. لا يحق لطهران، لا بموجب القانون الدولي ولا بموجب الأعراف الدبلوماسية، أن ترهن أمن اللبنانيين ودماءهم بأجندتها الخاصة.

يعيش لبنان اليوم واحدة من أعقد اللحظات التاريخية في مسيرته السياسية والعسكرية. فبينما تسيل دماء اللبنانيين في الجنوب والضاحية والبقاع، وتخوض الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الرسمية مفاوضات شاقة ومعقدة مع الجانب الإسرائيلي عبر وسائط دولية بهدف التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار وحفظ ما تبقى من أشلاء الوطن، يبرز إلى العلن سلوك إقليمي غريب ومستهجن، إذ تتوالى التصريحات من كبار المسؤولين الإيرانيين، والتي تؤكد شمول لبنان في أي اتفاق قادم بين طهران وواشنطن، بل واشتراط إدراج الملف اللبناني كبند من بنود التفاوض الإيراني-الأمريكي.

لبنان لم يمنح طهران توكيلاً عاماً ولا خاصاً للتفاوض باسمه، والحكومة اللبنانية (رغم كل ضعفها وتوازناتها) هي الجهة الوحيدة المخولة دستورياً وقانونياً بالتفاوض وإبرام الاتفاقات الدولية بحسب الدستور اللبناني

هذا التناقض الصارخ يطرح أسئلة جوهرية وقانونية ودبلوماسية في غاية الخطورة: هل يحق لإيران، قانوناً أو عرفاً، أن تتفاوض باسم لبنان؟ وكيف ينظر القانون الدولي إلى دولة تحاول مصادرة قرار دولة أخرى بذريعة “الدعم والمقاومة”؟

أولا: المقاربة القانونية.. ماذا يقول القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية؟

إذا ما وضعنا المسألة تحت مجهر القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فإن المحاولة الإيرانية لربط مصير لبنان بتفاوضها مع الولايات المتحدة تسقط تماماً، وتصنف كخرق فاضح للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث، وذلك بناءً على النقاط التالية:

1. مبدأ السيادة المتساوية للدول

تعتبر المادة الثانية (الفقرة الأولى) من ميثاق الأمم المتحدة أن المنظمة تقوم على مبدأ “السيادة المتساوية لجميع أعضائها”. ولبنان، كعضو مؤسس في هيئة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، يتمتع بسيادة كاملة وشخصية قانونية دولية مستقلة. وبالتالي، فإن أي محاولة من دولة تفوقه قوة عسكرية أو نفوذاً (كإيران) للحديث باسمه في المحافل الدولية دون تفويض رسمي ومكتوب، تُعد انتهاكاً صارخاً لسيادته الوطنية وتعدياً على استقلاله السياسي.

2. حظر التدخل في الشؤون الداخلية

ينص القانون الدولي العرفي، والمواثيق الدولية، على منع الدول من التدخل في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدول أخرى. وقرار الحرب والسلم، وآليات التفاوض لوقف إطلاق النار، هي من صلب الاختصاصات السيادية الحصرية للدولة المعنية.
وحين ترهن طهران وقف النار في النبطية أو الضاحية بمدى تقدم مفاوضاتها النووية أو الاقتصادية مع واشنطن، فإنها تمارس نوعاً من “الوصاية السياسية” غير القانونية، وتحوّل دولة مستقلة ذات سيادة إلى مجرد “ورقة ضغط” أو “بطاقة تفاوضية” لتحسين شروطها الإقليمية.

3. غياب التفويض والأهلية الدبلوماسية

في الأعراف الدبلوماسية المستقرة منذ معاهدة وستفاليا وحتى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، لا يمكن لدولة أن تمثل دولة أخرى في مفاوضات دولية إلا في حالات نادرة جداً ومحددة: إما عبر تفويض رسمي ومكتوب (مثل اتفاقيات الحماية التاريخية أو التمثيل الدبلوماسي المشترك المتفق عليه برضا الطرفين)، أو في حالات الاحتلال وبشروط معقدة. ولبنان لم يمنح طهران توكيلاً عاماً ولا خاصاً للتفاوض باسمه، والحكومة اللبنانية (رغم كل ضعفها وتوازناتها) هي الجهة الوحيدة المخولة دستورياً وقانونياً بالتفاوض وإبرام الاتفاقات الدولية بحسب الدستور اللبناني.

ثانياً: واقع الميدان والسياسة.. كيف توظف طهران دماء اللبنانيين؟

بعيداً عن النصوص القانونية الجافة، فإن الوقائع على الأرض تكشف عن حجم المأساة التي يتخبط فيها القرار اللبناني. لبنان يفاوض اليوم بدافع الاضطرار، وبنية إنقاذ شعبه ووقف نزيف الدم والدمار الشامل الذي يهدد بنيته المجتمعية والاقتصادية. والمفاوض اللبناني يتحرك وعينه على أعداد الشهداء، والنازحين الذين تخطوا عتبة المئة وعشرين ألفاً في مراكز الإيواء، والقرى التي سويت بالأرض.

حين ترهن طهران وقف النار في النبطية أو الضاحية بمدى تقدم مفاوضاتها النووية أو الاقتصادية مع واشنطن، فإنها تمارس نوعاً من “الوصاية السياسية” غير القانونية، وتحوّل دولة مستقلة ذات سيادة إلى مجرد “ورقة ضغط” أو “بطاقة تفاوضية” لتحسين شروطها الإقليمية

أما إيران، فتتحرك بعقلية “الجيوسياسية الباردة”. بالنسبة لطهران، لبنان ليس وطناً نهائياً تهمه سلامة شعبه بالدرجة الأولى، بل هو “الخط الدفاعي الأمامي” عن عمقها الاستراتيجي.

ومن هنا، يرى المسؤولون الإيرانيون أن تقديم أي تنازل في ملف جنوب لبنان يجب أن يقابله ثمن تقبضه طهران مباشرة من واشنطن (سواء في ملف العقوبات، أو النفوذ الإقليمي، أو الملف النووي).

لبنان اليوم ليس قاصراً، ويمتلك جهازاً ديبلوماسياً ورئاسة حكومة وقيادة جيش، ولديه القدرة الكاملة على صياغة شروطه بما يتوافق مع القرار الدولي 1701 وبما يحمي سيادته وأمن شعبه

إقرأ أيضا: مسيّرات الحزب الشهداء الجدد

هذه البراغماتية الإيرانية الفجة تسقط شعارات “وحدة الساحات” و”نصرة المستضعفين”؛ فالساحات توحدت في القتال والدمار، لكنها تفترق تماماً عند جني المكاسب الدبلوماسية. إذ تثبت الوقائع أن طهران مستعدة للقتال عبر أذرعها المحلية، ولكن حين يحين وقت التسوية، تصر على أن تكون هي الجالس على المقعد الأصيل، تاركة اللبنانيين في مقاعد المتفرجين ينتظرون ما تسفر عنه تفاهمات الكبار.

ثالثاً: هل يسمح العرف الدولي بـ “التفاوض بالوكالة”؟

الجواب الحاسم هو: لا. الأعراف الدبلوماسية لا تسمح بتفاوض دولة عن دولة أخرى إلا إذا كانت الأخيرة فاقدة للأهلية القانونية أو دولة تابعة جرى ضمها قانونياً.

حتى في زمن الحروب الكبرى، كانت الدول الحليفة (مثل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية) تنسق فيما بينها، لكن لم تكن بريطانيا تتفاوض نيابة عن فرنسا المحتلة دون وجود حكومة “فرنسا الحرة” بقيادة ديغول كطرف أصيل.

إن ما تحاول إيران فرضه اليوم هو بدعة ديبلوماسية تسمى “الوصاية القسرية”، وهي أسلوب ينتمي إلى أدبيات الاستعمار القديم حيث كانت القوى العظمى تتقاسم النفوذ وتحدد مصير الشعوب الصغيرة في غرفها المغلقة.

لقد تبرع لبنان بنموه واقتصاده وأرواح مواطنيه لسنوات في حروب الآخرين على أرضه؛ واليوم، مع وصول البلاد إلى حافة الزوال، تصبح المطالبة باستقلال القرار التفاوضي مسألة حياة أو موت

لبنان اليوم ليس قاصراً، ويمتلك جهازاً ديبلوماسياً ورئاسة حكومة وقيادة جيش، ولديه القدرة الكاملة على صياغة شروطه بما يتوافق مع القرار الدولي 1701 وبما يحمي سيادته وأمن شعبه. وبالتالي، فإن تدخل إيران في هذه الآلية لا يضعف الموقف اللبناني فحسب، بل يمنح إسرائيل والولايات المتحدة الذريعة لتصوير لبنان كـ “دمية” في يد المشروع الإيراني، مما يعقد المفاوضات ويطيل أمد الحرب ويزيد من كلفة الدم.

الخلاصة: العودة إلى كنف الدولة والشرعية الدولية

إن محاولة إيران إقحام لبنان كبند في اتفاقها مع الولايات المتحدة هو إجراء باطل قانوناً، ومرفوض سيادياً، ومؤذٍ ميدانياً. لا يحق لطهران، لا بموجب القانون الدولي ولا بموجب الأعراف الدبلوماسية، أن ترهن أمن اللبنانيين ودماءهم بأجندتها الخاصة.

السيادة لا تتجزأ، والتفاوض باسم لبنان هو حق حصري للدولة اللبنانية وجيشها ومؤسساتها، وكل ما عدا ذلك هو استباحة للوطن وتكريس لواقع لا يقيم وزناً للإنسان اللبناني

المخرج الوحيد للدولة اللبنانية في هذه المرحلة الحرجة هو التمسك المطلق بالشرعية الدولية، والإصرار على أن القرار اللبناني هو قرار سيادي مستقل يُصنع في بيروت وليس في طهران. على الحكومة اللبنانية أن تعلن بوضوح رفضها لأي وصاية أو دمج لملفها بملفات إقليمية، وأن تؤكد للعالم أن دماء اللبنانيين ليست رصيداً في البنك السياسي الإيراني يُصرف في بورصة المفاوضات مع واشنطن.

لقد تبرع لبنان بنموه واقتصاده وأرواح مواطنيه لسنوات في حروب الآخرين على أرضه؛ واليوم، مع وصول البلاد إلى حافة الزوال، تصبح المطالبة باستقلال القرار التفاوضي مسألة حياة أو موت.

السيادة لا تتجزأ، والتفاوض باسم لبنان هو حق حصري للدولة اللبنانية وجيشها ومؤسساتها، وكل ما عدا ذلك هو استباحة للوطن وتكريس لواقع لا يقيم وزناً للإنسان اللبناني.

السابق
المقامرة بالأرواح: نعيم قاسم والقتال حتى «آخر شيعي» في لبنان
التالي
دبلوماسية «اللحظة الأخيرة» في واشنطن: هل ينجح لبنان في انتزاع الهدنة قبل «فخ» التفاصيل؟