تتجه الأنظار إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، التي تحتضن جولة جديدة وحساسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية غير المباشرة برعاية أمريكية، في وقت يمر فيه الميدان بأخطر مراحل الانكشاف والتصعيد العسكري.
وتأتي هذه الجولة وسط تعقيدات إقليمية بالغة الحساسية، حيث يتقاطع الملف اللبناني مع الضغوط الواشنطنية المتزايدة على “حزب الله”، وسط تساؤلات كبرى حول مدى تأثير التفاهمات أو التوترات الأمريكية – الإيرانية على هامش التحرك الدبلوماسي.
أولويات بعبدا وتكتيك تل أبيب
تتمسك بيروت في هذه الجولة برؤية واضحة ترتكز على إبقاء الملف محصوراً في إطاره التقني والإنساني، بهدف تثبيت الاستقرار ووقف نزيف الدماء.
وفي المقابل، تسعى تل أبيب إلى استغلال الطاولة لتحويل أي تهدئة إلى مدخل لالتزامات أمنية وسياسية أوسع، تقع في مقدمتها مسألة نزع سلاح “حزب الله”.
هذا التباين يجعل فرص تحقيق خرق دبلوماسي قائمة، ولكنها تظل مشروطة بمدى رغبة الأطراف الثلاثة (اللبنانية، الإسرائيلية، والأمريكية) في إعطاء اللقاء طابعاً عملياً بعيداً عن التصعيد الروتيني.
وعلى الصعيد الهيكلي، ينطلق الاجتماع الثالث بلقاء موسع يضم الوفود المشاركة، يليه انفراد كل وفد على حدة لإجراء مشاورات مباشرة مع قيادته السياسية في بلده، قبل العودة مجدداً إلى طاولة الاجتماع العام.
كواليس التحركات الدبلوماسية
في إطار التحضيرات الجارية، ذكرت صحيفة «نداء الوطن» أن رئاسة الجمهورية في بعبدا كثفت من قنوات اتصالها داخلياً وخارجياً لضمان انتزاع قرار بوقف إطلاق النار قبيل الدخول الفعلي في جلسة التفاوض. وبحسب معطيات الصحيفة:
- على خط واشنطن:
دارت اتصالات مكثفة ومباشرة مع السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض، والسفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى (الموجود حالياً في العاصمة الأمريكية)، إلى جانب خطوط اتصال مباشرة ومستقلة يمتلكها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الإدارة الأمريكية، تصب كلها في اتجاه إقناع إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية. - على الخط الداخلي (عين التينة والضاحية):
جرت اتصالات مباشرة بين بعبدا ورئيس مجلس النواب نبيه بري، توازت مع اتصالات غير مباشرة قادها بري مع “حزب الله” بهدف الاستحصال على تعهد من الحزب بالالتزام بوقف إطلاق النار في حال وافقت إسرائيل على ذلك.
وتفيد المعلومات أنه حتى ليل أمس، لم يكن الرئيس بري قد تلقى جواباً حاسماً من قيادة “الضاحية”، مما يدفع بعبدا نحو تكثيف ضغوطها واتصالاتها الداخلية والخارجية اليوم لحث الحزب على السير في هذه العملية، تزامناً مع استمرار الضغط على واشنطن لتهدئة الجبهة.
الموقف اللبناني وسقف التفاوض
من جهتها، نقلت صحيفة «اللواء» عن مصادر سياسية مطلعة تأكيدها أن الوفد اللبناني لن ينجر إلى الغوص في تفاصيل موسعة أو بنود ثانوية قبل البت في المطلب الأساسي والمتمثل في وقف الحرب بشكل فوري.
إقرأ أيضا: المقامرة بالأرواح: نعيم قاسم والقتال حتى «آخر شيعي» في لبنان
وعلّقت المصادر على احتمالية طرح الجانب الإسرائيلي لملف سلاح “حزب الله”، معتبرة أن هذا الاحتمال هو ما استدعى الموقف الاستباقي للأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، الذي حسم فيه بأن هذا الملف هو شأن داخلي بحت.
كما أشارت المصادر إلى أن اللغط الدائر حول تصوير التفاوض كخطوة نحو “التطبيع” قد جرى توضيحه ونفيه سابقاً، مشددة على أن رسم سيناريوهات مسبقة لنتائج التفاوض لن يؤدي إلى أي نتيجة، إذ إن النجاح مرتبط بكيفية تلبية المطلب اللبناني كبادرة حسن نية تسمح بتوسيع النقاش لاحقاً، وهو أمر لا يزال يكتنفه الغموض.
تصعيد ميداني خطير
تنعقد هذه المحادثات الدبلوماسية تحت رعاية أمريكية على وقع تصعيد ميداني غير مسبوق؛ حيث اتسعت رقعة الغارات والقصف الإسرائيلي لتشمل أغلبية قرى وبلدات الأقضية الجنوبية الثلاثة (صور، بنت جبيل، والنبطية).
وقد سجل الميدان تطوراً خطيراً تمثل في اجتياز قوة من الجيش الإسرائيلي مجرى نهر الليطاني تقدمت من الجنوب باتجاه الضفة الشمالية في منطقة “زوطر”. وأدى هذا التوغل إلى اندلاع اشتباكات عنيفة وفارقة بين جنود الاحتلال ومقاتلي “حزب الله”، اعترف إثرها جيش العدو بإصابة 8 من جنوده، وصفت جراح بعضهم بأنها بليغة وخطرة للغاية، مما يعكس ضراوة المواجهات البرية وتأثيرها المباشر على طاولة المفاوضات.

