فجأة، وبدون سابق تمهيد، وعشية تسليم إيران ردها على الرد الأميركي الأخير بخصوص مقترحاتها لاتفاق وقف الحرب بين البلدين، يجري تسريب أنباء في لبنان بأن حزب الله يسعى لإعادة التواصل مع الدولة اللبنانية عبر رئاستي الجمهورية والحكومة، وأنه فوَّض لهذه المهمة كلًّا من النواب حسن فضل الله باتجاه بعبدا، وحسين الحاج حسن باتجاه السراي الحكومي.
تزامن هذا التسريب مع تصريح “فوقي” – إذا صح التعبير – للنائب علي فياض، وفي تقاسم أدوار واضح ومنسَّق، رحَّب فيه بما وصفه “تصويب الموقف التفاوضي من قِبَل الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام لجهة الاقتراب من الثوابت الوطنية وإسقاط أوهام السلام”، وكأن حزب الله هو من يحتكر ويضع دفتر شروط للثوابت الوطنية ويمليها على غيره، مع أن القاصي والداني يعلم بأن “ثوابته” كانت وستبقى فقط إيرانية.
هذه التسريبات والتصريحات من قِبَل مسؤولي الحزب جاءت لتوحي، بطريقة أو بأخرى، بأن هناك تراجعًا من قِبَل الدولة اللبنانية عن مواقفها، في حين أن الواقع الواضح والبعيد عن نشر الأوهام وتسويق الخزعبلات لدى العامة من الجمهور، لشد العصب الذي يمارسه دومًا حزب الله، يقول بأن هذا الأخير هو الذي في طور التراجع عن مواقفه غير المنطقية واللاعقلانية تجاه الدولة اللبنانية منذ بدء الحديث عن التفاوض مع العدو، وذلك، على ما يبدو، وكما كان دائمًا، لغاية في نفس طهران.
الدولة اللبنانية: ثبات في الموقف أم تبديل في التموضع؟
فالمراقب المحايد والموضوعي لتطورات الأحداث منذ فتح ملف التفاوض وموقف الدولة اللبنانية منه بشقيها الرئاسي والحكومي، يرى بأن الدولة لم تتجاوز أيًّا من الثوابت الوطنية في تعاملها مع الحدث، الذي يمكن القول إنه لم يبدأ أصلًا بعد، إذ لا يزال في بداياته البروتوكولية، حتى إنه لم يصل بعد إلى بحث القضايا التقنية بعمق، باستثناء الإعلان عن “هدنة” لوقف إطلاق النار، يمكن القول إنها وُلدت ميتة، أو بأفضل الأحوال هي نصف هدنة، باعتبار أنها اقتصرت في البداية على بيروت وضواحيها، قبل أن تعود وتنفذ عملية اغتيال جديدة في حارة حريك مؤخرًا، وبالأمس في السعديات والدامور.
الواقع أن الذي حدث بأن حزب الله هو من اتخذ موقفًا عدائيًا من شكل المفاوضات، وليس من المبدأ نفسه، وذلك بذريعة أنها مفاوضات مباشرة، بينما يريدها هو غير مباشرة كما في السابق، بينما الحقيقة أنه كان يريد ربطها بمسار إسلام آباد، لأن المباشرة هنا تعني بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار في مخرجات التفاوض وليس أي طرف آخر، وهو الموقف الذي أعلنته صراحة يوم إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وكلٍّ من أميركا وإسرائيل.
ربط لبنان بمسار إسلام آباد: حسابات طهران أم مصلحة بيروت؟
هذا الموقف الذي استغله حزب الله وأبواقه ليوحي وكأن الدولة اللبنانية ترفض مبدأ وقف إطلاق النار، وبالتالي فهي شريكة في “العدوان”، وهنا قد يكون حصل بعض التقصير من الحكومة في إيضاح هذا الأمر للرأي العام اللبناني عامة، والجنوبي خاصة، لأن هدف الحزب الحقيقي من ربط التفاوض بمسار إسلام آباد هو أن يكون لبنان ورقة في يد إيران للتفاوض – لما لجبهة لبنان من تأثير، في ظل وقف النار على الجبهة الإيرانية وعدم التزام إسرائيل بالهدنة فيه – وذلك من ضمن حزمة الاتفاق بين الجانبين الأميركي والإيراني، من دون الأخذ بعين الاعتبار الواقع الميداني والإنساني الصعب الذي يعيشه لبنان وشعبه، ومن دون أي ضمانات تُذكر عن إمكانية تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من القرى المحتلة، خاصة وأن الأمر يتعلق بإسرائيل أكثر مما يتعلق بإيران وما يمكن أن تحصل عليه في المفاوضات.
حزب الله هو من اتخذ موقفًا عدائيًا من شكل المفاوضات، وليس من المبدأ نفسه، وذلك بذريعة أنها مفاوضات مباشرة، بينما يريدها هو غير مباشرة كما في السابق،
ايران في وضع لا تُحسد عليه بعد الحرب، بحيث إنها، بعد أن أيقنت خسارتها في الملف النووي عبر تدمير برنامجها بدرجة كبيرة، وتصميم إدارة دونالد ترامب على تفكيكه نهائيًا ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، تحاول أن تُعوِّض بعضًا من خسارتها عبر تحقيق بعض المكاسب السيادية والمادية في مضيق هرمز، بحيث تحفظ ماء وجهها أمام شعبها عبر مقايضة مكاسب هرمز بخسارة الملف النووي، وهي، في سبيل ذلك – باعتقادي – مستعدة للمقايضة أيضًا في موضوع فصل المسار اللبناني عن مسارها، ولو بعد مماطلة ولعب على حافة الهاوية على حساب دماء اللبنانيين وأرزاقهم وذاكرتهم الجماعية التي تعمل فيها إسرائيل مسحًا ومحوًا في قرى الجنوب وبلداته.
ايران في وضع لا تُحسد عليه بعد الحرب، بحيث إنها، بعد أن أيقنت خسارتها في الملف النووي عبر تدمير برنامجها بدرجة كبيرة، وتصميم إدارة دونالد ترامب على تفكيكه نهائيًا ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران،
هل بدأ الحزب التراجع تحت الضغط الإيراني؟
من هنا قد يفهم المرء هذه التسريبات والتصريحات لمسؤولي حزب الله على أنها ترجمة لتعليمة ما قد جاءت من إيران، عشية تسليم ردها إلى الوسيط الباكستاني بهدف التخفيف من الضغوط عليها، وذلك في محاولة من الحزب للتراجع خطوة إلى الوراء – مرغَمًا – تحت ضجيج القول بتصويب الموقف التفاوضي للدولة والحكومة، في حين أن لا شيء تغيَّر في موقف الدولة، بل على العكس، فالمعلومات تشير بأن الجولة الثالثة ستكون بحضور السفير سيمون كرم تحت سقف المطالب اللبنانية بتثبيت وقف النار، والمطالبة بالانسحاب الكامل، وعودة النازحين، وإطلاق الأسرى، والسماح بإعادة الإعمار.
وهو مسار طويل ومتدرِّج وصعب ومعقَّد، ولا سبيل غيره لتحقيق المطالب اللبنانية، لأن أقصى ما تستطيعه طهران في إسلام آباد بالنسبة للبنان – إذا نجحت المفاوضات – هو المساهمة بوقف النار عبر الضغط على حزب الله، ليس أكثر، بمعنى أنها لا تستطيع فرض انسحاب إسرائيل من ضمن الصفقة، لأنها ليست في موقع من يفرض الشروط بل من يُلبيها، كما هو واضح من مسار التفاوض.
لبنان بين التفاوض والواقع الميداني
لذا نقول بأنه، إذا كان من غير الممكن وقف إطلاق النار من دون إيران، فإنه من غير الممكن أيضًا أن يحصل انسحاب إسرائيلي من الجنوب، ولا تحرير للأرض، من دون مفاوضات يجريها لبنان مع إسرائيل برعاية أميركية ودعم عربي وأوروبي، على الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجية – التي هي غائبة نسبيًا عن مسرح الأحداث للأسف – أن تسعى له بكل إمكانياتها وجهودها، لأن يد لبنان وحدها في هذا الموضوع لا تُصفِّق في ظل الأوضاع التي وصل إليها نتيجة خيارات حزب الله الانتحارية.

