هل الطائفية أصل أزمة لبنان؟

فضيل حمود

يكاد يتحول الحديث عن الطائفية في لبنان إلى تفسير جاهز لكل أزمة، انهيار الدولة، الفساد، الحروب، والانقسام السياسي. لكن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، يبقى قاصرًا عن فهم المشكلة الأعمق.

فالطائفية ليست أصل أزمة لبنان بقدر ما هي نتيجة لمسار طويل من ضعف الدولة، ومن هيمنة مشاريع سياسية وأيديولوجية تعاملت مع لبنان كساحة لا كوطن نهائي ودولة مكتملة السيادة.

ومن هنا، لا يمكن فهم الأزمة اللبنانية من خلال الطوائف وحدها، بل من خلال العلاقة الملتبسة تاريخيًا مع فكرة الدولة والكيان والسيادة، ومع طبيعة موقع لبنان في صراعات الإقليم الممتدة.

الكيان اللبناني، أزمة دولة أم أزمة اعتراف بلبنان نفسه؟

منذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، لم يكن الكيان اللبناني موضع إجماع كامل بين القوى السياسية والفكرية. ففي حين تعاملت قوى لبنانية مع لبنان بوصفه وطنًا نهائيًا يحتاج إلى دولة مستقلة ذات سيادة، رأت فيه تيارات أخرى كيانًا مؤقتًا أو جزءًا من مشاريع أوسع تتجاوزه.

القومية العربية اعتبرت لبنان تفصيلًا داخل “الأمة العربية”. الحزب السوري القومي الاجتماعي رآه جزءًا من “سوريا الطبيعية”. واليسار الشيوعي قدّم الانتماء الأممي والصراع الطبقي على الدولة الوطنية.

لاحقًا، أعاد الإسلام السياسي إنتاج المنطق نفسه بصيغ مختلفة. فالإسلام السياسي السني قدّم “الأمة الإسلامية” على الدولة الوطنية، فيما ربط الإسلام السياسي الشيعي جزءًا من شرعيته السياسية والعقائدية بمفهوم “ولاية الفقيه” وبالمحور الإيراني العابر للحدود، حيث بات الحزب جزءًا عضويًا من بنية الحرس الثوري الإيراني في الإقليم، وليس مجرد حليف سياسي تقليدي.

المشكلة هنا لم تكن فقط في ضعف مؤسسات الدولة، بل أحيانًا في التعامل مع الكيان اللبناني نفسه باعتباره إطارًا غير نهائي أو تفصيلًا داخل قضية أكبر.

وهذا ما يفسّر هشاشة الدولة اللبنانية منذ البداية. فحين لا تكون الدولة مرجعية نهائية، وحين يبقى الكيان نفسه موضع التباس سياسي أو أيديولوجي، تتراجع الهوية الوطنية المشتركة لصالح الهويات الطائفية أو الحزبية أو العابرة للحدود.

الطائفية كنتيجة لا كسبب

في هذا السياق، تبدو الطائفية أقرب إلى نتيجة تاريخية منها إلى سبب أولي للأزمة. فكلما ضعفت الدولة، بحثت الجماعات عن بدائل للحماية والتمثيل، الطائفة، الحزب، الزعيم، أو الخارج.

وهكذا لم تولد الطائفية فقط من تنوع المجتمع اللبناني، بل من غياب دولة قوية وقادرة على فرض نفسها كمرجعية سيادية وحيدة.

ومع الوقت، تحولت الطائفية إلى نظام سياسي كامل، لا لأنها تملك قوة ذاتية خارقة، بل لأن الدولة نفسها بقيت ناقصة السيادة والشرعية والقدرة.

من 1967 إلى الحرب الأهلية، سقوط الدولة

شكّلت هزيمة 1967 نقطة تحول كبرى في المنطقة، مع انهيار المشروع القومي العربي وبدء مرحلة الفراغ السياسي والأيديولوجي. في لبنان، تعمّق هذا التحول مع صعود العمل الفلسطيني المسلح، ثم اتفاق القاهرة عام 1969 الذي مثّل عمليًا بداية تراجع سيادة الدولة وقدرتها على احتكار السلاح والقرار الأمني.

منذ تلك اللحظة، بدأ لبنان يتحول تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لصراعات المنطقة. ولم يعد القرار اللبناني مستقلًا بالكامل عن التوازنات الإقليمية المحيطة. فكل أزمة داخلية كانت تتحول سريعًا إلى امتداد لصراع خارجي، من الصراع العربي ـ الإسرائيلي إلى الصراعات العربية ـ العربية، ثم لاحقًا الحرب الإيرانية ـ الأميركية، والحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية في لبنان بشكل مباشر عبر الجغرافيا اللبنانية وساحة المواجهة المفتوحة.

وهكذا تراجع منطق الدولة لمصلحة منطق الجبهات والمحاور، وتكرّس تدريجيًا واقع السلاح والولاءات المتعددة داخل الكيان اللبناني نفسه، في ظل تعدد مرجعيات القرار وتداخلها.

ومع تراجع الدولة، تصاعد الخوف بين الجماعات اللبنانية، وبدأت كل طائفة تبني أدواتها الخاصة للحماية السياسية والعسكرية. بهذا المعنى، لم تكن الحرب الأهلية نتيجة الطائفية فقط، بل نتيجة انهيار الدولة وتحول لبنان إلى ساحة تتجاوزها المشاريع الإقليمية والأيديولوجية.

أما الطائفية، فكانت التعبير السياسي والاجتماعي عن هذا الانهيار.

اليسار والإسلام السياسي، أولوية القضية على الدولة

لا يمكن اختزال تجربة اليسار اللبناني أو تجاهل دوره النقابي والثقافي والسياسي، لكن المشكلة الأساسية بقيت في العلاقة مع الدولة اللبنانية نفسها.

فالولاء للقضية الفلسطينية، أو للثورة الأممية، أو لاحقًا لمحور المقاومة، غالبًا ما تقدّم على فكرة الدولة اللبنانية كمرجعية نهائية.

وفي المقابل، أعاد الإسلام السياسي إنتاج الفكرة نفسها بصيغة دينية وعقائدية، حيث أصبحت الأمة أو المحور أو الولي الفقيه مرجعية تتجاوز الدولة الوطنية.

في الحالتين، جرى التعامل مع لبنان كساحة ضمن مشروع أكبر، لا كدولة مكتملة السيادة. وهنا تحديدًا تكمن إحدى جذور الأزمة اللبنانية المستمرة حتى اليوم.

مراجعات غير متساوية بعد الحرب

ورغم كل تناقضاته وأخطائه، خاض ما يُعرف تاريخيًا باليمين اللبناني، بعد الحرب الأهلية، مراجعات سياسية وفكرية واضحة نسبيًا، الاعتراف بأخطاء الحرب، القبول بالمصالحة، والتخلي التدريجي عن مشاريع التقسيم أو الفيدرالية الصدامية، مقابل العودة إلى خطاب الدولة والسيادة.

في المقابل، بقي النقد الذاتي داخل جزء واسع من اليسار اللبناني أكثر خجلًا، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقة مع السلاح خارج الدولة، أو مع تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية.

أما الإسلام السياسي، وخصوصًا في نسخته المرتبطة بالمشروع الإيراني، فلم يُجرِ مراجعة فعلية لمسألة الولاء العابر للحدود أو ازدواجية الدولة والسلاح.

بل إن لبنان لا يزال حتى اليوم يدفع أثمان هذا المنطق عبر حروب وصراعات تتجاوز حدوده وقراره الوطني. فالحروب التي شهدها لبنان خلال العقود الأخيرة لم تكن في معظمها ناتجة عن قرار دولة لبنانية موحّد، بل عن ارتباطات إقليمية تتجاوز المؤسسات الرسمية، وعن اندماج مباشر في مسارات الحرب الإيرانية ـ الأميركية والحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية في لبنان، ما جعل السيادة اللبنانية معلّقة بين الداخل والخارج.

ولهذا بقي جزء واسع من اللبنانيين يشعر بأن الدولة لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم داخل أراضيها، بل تتقاسمه مع قوى إقليمية تتجاوزها.

بين الكيان والدولة

من الضروري هنا التمييز بين الكيان والدولة.
فالكيان اللبناني، بوصفه وطنًا نهائيًا، ليس موضع نقاش ولا مشروعًا قابلًا لإعادة التأسيس. أما الدولة فهي الشكل السياسي والمؤسساتي الذي يُفترض أن يدير هذا الكيان ويحمي سيادته.

الأزمة اللبنانية ليست أزمة وجود وطن، بل أزمة دولة لم تُنجز وظيفتها داخل وطن قائم.
ولهذا، فإن اختزال المشكلة بالطائفية وحدها يبقى تبسيطًا مريحًا أكثر منه تفسيرًا حقيقيًا.

في المحصلة، أزمة سيادة قبل أي شيء

لبنان لم يفشل بسبب طوائفه فقط، بل بسبب عجز طويل عن إنتاج دولة تكون المرجعية النهائية الوحيدة داخله.

فعلى امتداد عقود، بقي هناك دائمًا مشروع يتجاوز الدولة أو ينافسها أو يضع نفسه فوقها، القومية العربية أو السورية، الثورة، الأمة، أو المحور.

وفي المقابل، بقيت الدولة نفسها معلّقة، بلا سيادة مكتملة ولا قدرة حاسمة على فرض مرجعيتها.
لهذا، تبقى الطائفية في لبنان نتيجة أكثر منها سببًا.

أما السؤال الحقيقي، فهو أبعد من الطوائف نفسها، هل يوجد في لبنان اتفاق فعلي ونهائي على الدولة والكيان والسيادة؟

السابق
قطار المفاوضات المباشرة يصل واشنطن.. لبنان يسعى لانتزاع «وقف نهائي» لإطلاق النار
التالي
«القرض الحسن» تحت مجهر الحكومة والقضاء: عودة للنشاط وتحديات قانونية تهدد بسحب الترخيص