في قاموس النزاعات السياسية، تظل كلمة “خيانة” هي الأكثر دموية وخطورة، فهي ليست مجرد نعتٍ أو وصف، بل هي “حكم إعدام” مدني وسياسي يُسلط على الطرف الآخر.
في الساحة اللبنانية، التي تعيش استقطاباً حاداً، بات هذا المصطلح يتصدر السجالات، محولاً التباين في الرؤى الوطنية إلى حرب وجودية، حيث يُوزع صكوك الوطنية والتخوين بناءً على مواقف متباينة من العدو الإسرائيلي، أو من كيفية إدارة الدولة، أو من “أجندات” السلم والحرب.
المفهوم: ما هي الخيانة؟
لغوياً وفقهياً، الخيانة هي نقض العهد أو الغدر، وفي السياق السياسي والقانوني، هي الإخلال بالالتزام تجاه الدولة وشعبها، والعمل لمصلحة جهة خارجية عدائية ضد المصلحة الوطنية العليا.
الخيانة فعلٌ مادي ملموس يتجاوز وجهة النظر، هي التجسس، أو تقديم العون المباشر للعدو، أو العمل على هدم كيان الدولة من الداخل خدمةً لأجندات خارجية.
أما في الواقع اللبناني، فقد حدث “تضخم دلالي” لهذا المصطلح. لقد خرجت الخيانة من سياقها القانوني المحدود لتتحول إلى “أداة تعبئة” تُستخدم لتجريد الخصم من أي شرعية.
حين يصف فريقٌ ما المفاوضات مع إسرائيل بأنها “خيانة”، فهو يعتبرها تنازلاً عن الثوابت وتطبيعاً ينسف تضحيات الشهداء. وفي المقابل، حين يصف فريقٌ آخر زجّ لبنان في حربٍ دون قرار الدولة بأنه “خيانة”، فهو يعتبره استباحةً لسيادة البلاد ورهناً لمصير الشعب لأجندات خارجية لا علاقة للبنان بها.
“التخوين” كأداة لتعطيل العقل
أما في الواقع اللبناني، فقد حدث “تضخم دلالي” لهذا المصطلح. لقد خرجت الخيانة من سياقها القانوني المحدود لتتحول إلى “أداة تعبئة” تُستخدم لتجريد الخصم من أي شرعية. حين يصف فريقٌ ما المفاوضات مع إسرائيل بأنها “خيانة”، فهو يعتبرها تنازلاً عن الثوابت وتطبيعاً ينسف تضحيات الشهداء. وفي المقابل، حين يصف فريقٌ آخر زجّ لبنان في حربٍ دون قرار الدولة بأنه “خيانة”، فهو يعتبره استباحةً لسيادة البلاد ورهناً لمصير الشعب لأجندات خارجية لا علاقة للبنان بها.
إنَّ أخطر ما في تداول مصطلح الخيانة في الخطاب السياسي اللبناني هو أنه يُستخدم “لإغلاق باب النقاش”. عندما يتم تصنيف الخصم “خائناً”، يسقط الحق في محاورته أو فهم منطقه.
هذا “التخوين” المتبادل يؤدي إلى انغلاق سياسي تام، فكيف يمكن بناء دولة أو التوصل إلى تسوية مع من تعتبره “عدواً داخلياً”؟
الخيانة كأداة سياسية يستخدمها حزب الله
هنا تبرز مفارقة الاتهام، إذ يرى منتقدون أن هناك تناقضاً في توجيه التهم، حيث لا يحق لطرف أن يتهم الآخرين بالخيانة فيما هو أعلن صراحة وعلناً أن الحرب المفتوحة التي يخوضها كانت لخدمة مصالح إيرانية، بينما يتهم اليوم القوى التي تحاول إنقاذ البلاد ووقف نزيف الحرب بالخيانة.
هذا في الوقت الذي كان فيه الموقف الرسمي لرئاسة الجمهورية واضحاً وحاسماً برفض أي اتفاق مذل مع إسرائيل، مؤكداً أن العبور إلى أي تسوية لا يمكن أن يتم دون تحرير الأرض وحماية السيادة، مما يجعل من تهمة الخيانة هنا أداة سياسية أكثر من كونها وصفاً دقيقاً لواقعٍ وطني.
هنا، يتحول النقاش الوطني من “كيف نحمي لبنان؟” إلى “من هو الأكثر وطنية؟”. هذا الاستنزاف اللفظي يخدم تقويض أسس “العقد الاجتماعي”، فبدلاً من أن يكون الاختلاف في التقدير السياسي (هل تخدم المفاوضات لبنان؟ أم هل يخدم القتال المصلحة الوطنية؟) دافعاً للبحث عن حل وسط، يصبح سبباً للتراشق بالتهم التي لا يملك أحدٌ امتياز إثباتها أو نفيها.
متى يكون الوصف دقيقاً؟
لكي يكون مصطلح الخيانة وصفاً دقيقاً وموضوعياً، يجب أن يستند إلى معايير صارمة تتجاوز العاطفة السياسية:
- النية والجرم: يجب أن يكون هناك فعلٌ يقيني يثبت العمل لمصلحة العدو ضد المصلحة الوطنية المجمَع عليها.
- الضرر المباشر: أن يكون الفعل قد ألحق ضرراً وجودياً بالدولة (كالتجسس العسكري، أو التنازل عن أرض أو حقوق سيادية).
- الإجماع الوطني: لا يمكن لطرف سياسي أن ينصب نفسه حكماً على الوطنية؛ فالخيانة تُثبت عبر القوانين والدساتير، لا عبر المنابر الإعلامية.
في لبنان، يختلط المفهوم القانوني للخيانة بمفهوم “الخيانة السياسية” التي هي في الواقع “اختلاف في الرؤية”. أن يتبنى فريقٌ خياراً سياسياً (سواء كان التفاوض أو المواجهة) قد يراه الفريق الآخر كارثياً، لا يجعله “خائناً” بالمعنى الجنائي للكلمة، بل يجعله “مخطئاً في تقديراته” أو “مختلفاً في أولوياته”.
نحو خطاب وطني متعالٍ
إنَّ الاستمرار في كيل تهمة الخيانة يجعل من لبنان ساحةً للصراع بدلاً من أن يكون وطناً للجميع. الخيانة الحقيقية التي يجب أن يخشاها اللبنانيون جميعاً ليست في مواقف بعضهم البعض، بل في “عجزهم عن الاتفاق على تعريف مشترك للمصلحة الوطنية”.
وفي هذا السياق، يبدو من الضروري أن يقلع “حزب الله” عن سياسة رشق الآخرين باتهامات الخيانة، وهو الذي يجد نفسه في عين العاصفة السياسية والملاحقة بالاتهامات ذاتها.
إن المرحلة الراهنة تفرض عليه استحقاقاً وجودياً يتمثل في ضرورة الانصهار الحقيقي في نسيجه اللبناني، والعودة إلى “لبنانيته” الصرفة؛ أي الانضواء تحت سقف مصالح الدولة اللبنانية والجمهورية، والالتزام بمرجعية الدستور، عوضاً عن تغليب الأجندات التي تضعف دور الدولة وتصادم مصلحتها الوطنية.

