شهدت العاصمة الأميركية واشنطن حدثاً سياسياً واستراتيجياً بارزاً؛ حيث استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء، رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي في أول زيارة رسمية له، وهي الزيارة التي تُدشن فصلاً جديداً ومثيراً للجدل في العلاقات الثنائية بين البلدين، بعدما ألقت الإدارة الأميركية بثقلها خلف هذا السياسي المبتدئ لمواجهة النفوذ الإيراني في بغداد.
قمة البيت الأبيض: صعود «رجل أعمال» برافعة أميركية
برز علي الزيدي، وهو رجل أعمال قادم من عالم الاقتصاد ولا يمتلك أي خلفية سياسية سابقة، كمرشح تسوية توافقي في العراق نجح في كسر أشهر من الجمود السياسي المنهك الذي أعقب الانتخابات البرلمانية العام الماضي.
وكان صعوده مدعوماً بشكل علني وصارم من الرئيس ترامب، الذي عارض بشدة ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي المقرب من طهران لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. وهدد ترامب آنذاك بقطع المساعدات بالكامل عن العراق قائلاً: «إذا لم نقف بجانب العراق، فلن تكون لديه فرصة للنجاح أو الرخاء أو الحرية».
وعقب تكليف الزيدي رسمياً في نيسان/أبريل الماضي، وصف ترامب الخطوة بأنها:
«بداية فصل جديد وهائل بين بلدينا، يقوم على الازدهار والاستقرار والنجاح الذي لم يسبق له مثيل».
معادلة الزيدي: خروج القوات ودخول الشركات والاستثمارات
وخلال المؤتمر الصحافي المشترك ومباحثات البيت الأبيض، أطلق رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي جملة من المواقف الاستراتيجية العالية النبرة، محدداً ملامح المرحلة المقبلة:
- ترتيبات التواجد الأميركي: أعلن الزيدي بوضوح أن «القوات الأميركية ستخرج من العراق، وفي المقابل ستدخل الشركات الأميركية». ووصف الولايات المتحدة بأنها «أهم شريك استراتيجي للعراق».
- الشراكة الاقتصادية وقطاع الطاقة: يرافق الزيدي وفد رفيع يضم رجال أعمال ومسؤولين حكوميين. وأكد مكتب رئيس الوزراء أن الزيارة تهدف لجذب الاستثمارات، وتوسيع دور الشركات الأميركية في مشاريع البنية التحتية، وتطوير قطاع الطاقة.
- حصة منصفة في «أوبك»: أثار الزيدي ملف النفط والإنتاج قائلاً: «نحن من الدول المؤسسة لمنظمة أوبك لكننا نريد حصة منصفة؛ فنحن حاربنا الإرهاب في معركة مكلفة للغاية ومدمرة للبنية التحتية».
ملف إيران الساخن: مهلة نهائية لنزع سلاح الفصائل
احتل الملف الإيراني وسلاح الجماعات المسلحة الموالية لطهران الحيز الأكبر من الضغوط والمباحثات الأميركية؛ حيث يواجه العراق ضغوطاً خانقة لنزع سلاح الشبكات المسلحة التي تورطت سابقاً في استهداف المصالح والقواعد الأميركية.
وفي موقف حاسم، شدد الزيدي من واشنطن على التزامه المطلق بالمهلة الممنوحة للمجموعات المسلحة، معلناً:
«لدي قرار صارم بحصر السلاح بيد الدولة تماًماً. بعد 30 أيلول/سبتمبر المقبل، ليس هناك أي حاجة لوجود فصائل مسلحة في العراق، ولن نسمح لأي جهة بحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة الرسمية».
الضغوط الأميركية ومخاوف الصدام الداخلي
ورغم حسم الزيدي، فإن كبرى الميليشيات وأكثرها نفوذاً في بغداد كانت قد أعلنت مسبقاً رفضها القاطع لتسليم سلاحها، مما يمهد لصدام داخلي محتمل.
وفي هذا الإطار، أوضح مسؤول في إدارة ترامب أن المساعدات والتعاون الأميركي المستقبلي سيكون «مدروساً ومقترناً» بمدى جدية وبذل حكومة بغداد لجهود حقيقية على الأرض لنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران.
من جهته، علّق مدير مبادرة العراق في مركز «تشاتام هاوس» للأبحاث، ريناد منصور، على المشهد بالقول:
«الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً هائلة على الزيدي للمضي قدماً في ملف نزع السلاح، وقد يرد الزيدي بالمطالبة بدعم استخباراتي وفني وعسكري عاجل لتنفيذ ذلك. السيناريو الأخطر والذي تخشاه الحكومة العراقية ويرعبها، هو أن ملاحقة هذه الجماعات عسكرياً قد يدفعها لشن هجوم مباشر مضاد على الحكومة نفسها لإسقاطها».

