جنوب على فوهة النار..هدنة ترامب تتهاوى بين غارات إسرائيل وتصعيد داخلي يهدد بتفجير المعادلة

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية

في لحظة كان يُفترض أن تتجه فيها الجبهة اللبنانية نحو تثبيت هدنة أعلنها دونالد ترامب، عاد الميدان لينفجر مجددًا على وقع غارات إسرائيلية وإنذارات عاجلة بإخلاء عدد واسع من القرى الجنوبية. لم يكن هذا التصعيد تفصيلًا عابرًا، بل شكّل مؤشرًا واضحًا على أن “وقف إطلاق النار” لا يزال هشًّا، أقرب إلى عنوان سياسي منه إلى واقع ميداني قابل للحياة.

التحذيرات الإسرائيلية التي طالت بلدات تبنين وشقرا وعيتا الجبل وصولًا إلى ديركيفا وسلعا، ترافقت مع بدء غارات فعلية، في انتقال سريع من لغة الردع إلى التنفيذ. مشهد يشي بأن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد قائمة، وأن الجنوب يدخل مرحلة أكثر خطورة، مفتوحة على احتمالات التصعيد المنفلت.

واشنطن ترسم الإطار: المشكلة “حزب الله” لا لبنان

في موازاة التصعيد الميداني، جاء موقف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ليضع النزاع في إطار مختلف، إذ وصف الوضع بأنه “فريد من نوعه”، معتبرًا أن إسرائيل لا ترى لبنان عدوًا، بل أن الصراع محصور مع حزب الله.

روبيو ذهب أبعد من ذلك، حين أشار إلى أن “اللبنانيين أنفسهم يعتبرون حزب الله مشكلة لهم”، مؤكدًا أن لا نزاع بنيوي بين الشعبين اللبناني والإسرائيلي، وأن الهدف المشترك هو الوصول إلى السلام.

هذا الطرح يعكس مقاربة أميركية تقوم على فصل الدولة اللبنانية عن الحزب، وتحميل الأخير مسؤولية استمرار المواجهة، مع منح إسرائيل غطاءً واضحًا لضرب “التهديدات الوشيكة” باعتبارها إجراءات دفاعية.

“منطقة عازلة” أم احتلال مقنّع؟

وفي قراءة لواقع الجنوب، اعتبر روبيو أن الوجود الإسرائيلي الحالي ليس احتلالًا، بل “إجراء مؤقت” لحماية المستوطنات الشمالية. لكنه في الوقت نفسه ربط إنهاء هذا الواقع بشرط أساسي: تمكين الجيش اللبناني من تفكيك بنية حزب الله العسكرية.

هذا الشرط يختصر جوهر الرؤية الأميركية للحل، والتي تقوم على معادلة واضحة: دولة لبنانية قوية مقابل نزع سلاح الحزب. وهي معادلة تصطدم مباشرة بالتوازنات الداخلية اللبنانية، وتفتح الباب أمام صدام سياسي داخلي لا يقل خطورة عن المواجهة مع إسرائيل.

دعم داخلي لمسار الدولة

داخليًا، برز موقف داعم لمسار الدولة خلال لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وفد من شبكة القطاع الخاص اللبناني، الذي أعلن تأييده الكامل لخيار “استعادة سلطة الدولة” وتفعيل التفاوض.

البيان لم يكتفِ بالدعم السياسي، بل ربط بوضوح بين الاستقرار السياسي والنهوض الاقتصادي، معتبرًا أن حصر السلاح وبسط سلطة الدولة يشكلان المدخل الطبيعي لاستعادة الثقة وإنعاش الاقتصاد.

هذا الموقف يعكس توجّه شريحة وازنة من النخب الاقتصادية التي ترى أن كلفة استمرار الواقع الحالي باتت أعلى من أي تسوية سياسية، حتى ولو كانت معقّدة أو حساسة.

قبلان يرفع السقف: الشرعية للمقاومة لا للتفاوض

في المقابل، جاء خطاب المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان ليقلب الطاولة، واضعًا الرئاسة أمام معادلة حادة: إما الانحياز إلى خيار “المقاومة” أو الوقوع في “الانتحار السياسي”.

رسالة قبلان لم تكن دينية الطابع، بل سياسية بامتياز، أعادت تعريف الشرعية في لبنان على أساس أن قوة الدولة لا تنبع من مؤسساتها فقط، بل من معادلة المقاومة التي تشكّل، وفق طرحه، عنصر الردع الأساسي.

بهذا المعنى، لا يُطرح سلاح حزب الله كإشكالية، بل كركيزة وجودية للدولة، في تناقض مباشر مع الطرح الدولي الداعي إلى حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية.

صدام الشرعيات… لبنان بين خيارين

ما يكشفه هذا المشهد هو انقسام عميق حول مفهوم الشرعية نفسه:

شرعية الدولة ومؤسساتها، المدعومة دوليًا، والتي ترى في التفاوض واستعادة القرار السيادي مخرجًا للأزمة.

وشرعية “المقاومة”، التي تعتبر أن أي تنازل في هذا الاتجاه هو تفريط بالسيادة لا استعادتها.

هذا الصدام لا يدور في الفراغ، بل يتغذى من ضغط ميداني إسرائيلي متصاعد، ومن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد، ومن توازنات داخلية شديدة الهشاشة.

جنوب على حافة الانفجار… ودولة في اختبار مصيري

بين غارات لا تتوقف، وخطاب دولي يضغط باتجاه نزع سلاح حزب الله، ومواقف داخلية متناقضة حدّ التصادم، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية.

هدنة تُعلن في السياسة وتُخرق في الميدان، دولة تحاول استعادة قرارها، وقوى داخلية ترفض إعادة صياغة المعادلة… كلها عناصر تجعل الجنوب ليس فقط ساحة مواجهة، بل مرآة لأزمة كيان بأكمله.

وفي ظل هذا التشابك، يبدو أن السؤال لم يعد: هل ستصمد الهدنة؟

بل: أي لبنان سيخرج من تحت ركام هذه المواجهة؟

السابق
رسالة مفتوحة من المفتي قبلان إلى الرئيس عون: دعوة للنفير العام ورفض قاطع لـ «مفاوضات العار»
التالي
«سيميولوجيا الخيانة»: حين يصبح التخوين سلاحًا في النزاع السياسي اللبناني