متى يُصبح 13 نيسان مجرد ذكرى؟

Beirut Civil War Memorial

مع حلول ذكرى 13 نيسان من كل عام، يتسابق اللبنانيون إلى تداول جملة “تنذكر ولا تنعاد”، في الوقت الذي يعرف الجميع أنها لم تصبح ذكرى بعد، بل هي للأسف واقع مُعاش ومُعاد، وإن بوسائل أخرى، سواء سياسية أو اجتماعية أو حتى أمنية، وبشعارات وشخصيات أخرى، باستثناء ربما ثلاث منها هم الرئيس نبيه بري، والنائب السابق وليد جنبلاط، والدكتور سمير جعجع.

ذاكرة فولكلورية بدل مراجعة حقيقية

الملفت في الأمر، وهو أمر مؤسف، أنه وعلى مدى 36 عامًا منذ التاريخ الرسمي لوقف هذه الحرب في العام 1990، لم يتم على الصعيد الوطني العام استذكار 13 نيسان من ناحية دراسة الأسباب والظروف الموضوعية التي أدّت إليها، بل فقط استذكارها بطريقة فولكلورية لبنانية، كمثل جمع بعض رجال الدين من كل الطوائف ليشبكوا الأيادي بعضها مع بعض، أو إقامة بعض الزيارات لطلاب المدارس إلى بعض الأماكن، وحديث عن البوسطة وتصويرها، وغيرها من التحركات التي لا تنفذ إلى عمق الموضوع والجراح التي خلّفتها هذه الحرب، التي أزعم أنها بدأت واستمرت بمجموعة من الأوهام التي حملها وروّج لها أطراف الصراع فيها.

الأحزاب الغائبة عن المراجعة

أما على مستوى الأحزاب التي شاركت في هذه الحرب، فهنا الكارثة الحقيقية، إذ لم نلحظ من أي من هذه الأحزاب أو التنظيمات – سوى محاولات فردية قليلة جدًا – أي مراجعة حقيقية للتجربة المرّة التي دمّرت البلد، بغض النظر عن النوايا التي غذّتها الأوهام إياها لتضفي على الحرب مسحة وطنية ودينية ووجودية لدى كل الأطراف. فالمسيحي عاش وهم “التوطين” الفلسطيني، وقاتل بشراسة منقطعة النظير دفاعًا عن الوجود، فيما المسلم عاش وهم “استرداد” حقوقه السياسية والاجتماعية من المسيحي المسيطر على الدولة من جهة، وحماية “القضية الفلسطينية” من خطر تصفيتها من جهة أخرى. كذلك اليميني الذي عاش وهم وقف تقدّم “اليسار الدولي” في لبنان والمنطقة، يقابله اليساري الذي مارس وهم “تغيير العالم عبر العنف الثوري”. فكانت النتيجة أن لبنان دخل نفق الحرب، ولم يخرج منه بعد حتى اليوم، بفعل نفس الأوهام التي يعيشها اليوم جيل آخر من اللبنانيين لم يتسنَّ له الإفادة من التجارب، لأنها لم تُروَ كما يجب وبشفافية عالية، ولم يتم مراجعتها حزبيًا ووطنيًا، رسميًا وشعبيًا، فكان أن الأوهام ولّدت أوهامًا.

أوهام تتجدد عبر الأجيال

هكذا يعيش المسيحي اليوم بوهم أنه منع توطين الفلسطينيين في لبنان عبر “المقاومة” المسلحة، ويعيش المسلم وهم إعادة التوازن إلى الدولة وحماية القضية كذلك عبر “المقاومة” المسلحة – ولا يزال – بالرغم من مآلاتها الكارثية. هذه الأوهام التي ما زالت أطراف الصراع – خاصة اليمينية منها – تُروّج لها كل عام بتاريخ 13 نيسان، وذلك عبر نبش القبور والحديث عن “المقاومة” التي يُنكرونها اليوم على الطرف الآخر المقابل، بينما الحقيقة المرّة تكمن في أن لبنان دخل منذ بداية السبعينيات نفق حرب بين أطراف إقليمية ودولية كساحة بديلة عن الساحات الأساسية، بحيث كانت كل هذه الأطراف تلعب خارج ملعبها كي تتفادى آثار الحرب عليها وعلى شعوبها، والحفاظ على بعض التفاهمات التي أرستها مع بعضها البعض بما يخص دولها ومصالحها. فكان لبنان هو الملعب البديل، مع حشد الجماهير المطلوبة للمشاركة والتشجيع، ولطالما كانت تنتهي المباريات بحرب بين المشجعين يكون فيها الملعب ومنشآته هو الضحية. والدليل على هذه المقاربة أنه، وعندما تغيّرت المعادلات الدولية والإقليمية، تم فرض وقف الحرب في لبنان بداية التسعينيات بدون توطين، بالرغم من الوضع الكارثي للمسيحيين يومها، ولا استرجاع فلسطين، بالرغم من سيطرة محور “الصمود والتصدي” بقيادة سوريا. فكانت هدنة دامت حوالي 15 سنة، وذلك عبر فرض اتفاق الطائف الذي وضع لبنان تحت الوصاية السورية – بغض النظر عن الأسباب -، بمعنى أن المسيحي الذي قاتل لمنع التوطين، والمسلم الذي قاتل لمنع تصفية القضية، وجدا نفسيهما في نهاية المطاف ضحايا لعبة أكبر منهما، وضعت كليهما تحت وصاية قاسية دفعا ثمنها، ولا يزالان، غاليًا من سيادة وطنهم وحريته وأمنه واقتصاده.

دعوة إلى كسر الحلقة المفرغة

ليس هدف هذا الكلام هو التقليل من تضحيات اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، لا سمح الله، في دفاعهم عن وطنهم كلٌ بحسب قناعاته، لكن الهدف هو محاولة توعية لجيل جديد من اللبنانيين من كل الطوائف كي لا يضيعوا البوصلة مرة أخرى كما أضاعها آباؤهم قبلهم. فلا حل في لبنان إلا بالاعتدال والتفاهم عبر الحوار المنفتح على كل القضايا الخلافية مهما كبرت، ومهما طال أمد الحوار، يبقى هو الأسلم لبلد صغير مثل لبنان بإمكانياته المتواضعة. وهذا لن يكون إلا بخروج الجميع من أوهامهم القديمة والجديدة، فالكل خسر في الحرب الأهلية ولسنا بحاجة إلى أدلة، فالواقع اليوم هو أكبر دليل، إلا إذا أردنا المكابرة والعناد – كما يفعل حزب الله اليوم، وكما فعل غيره في أوقات سابقة – وادعاء الانتصار أحدنا على الآخر. فإذا كان المسلم اللبناني مثلًا عاد إلى لبنانيته أولًا، فهذا ليس مبررًا للمسيحي اللبناني للعودة إلى طائفيته بدعوى أنه كان على حق في خياراته، وبالتالي فهو اللبناني “القح” كما قال أحدهم يومًا ما، بل الأدعى أن نعود جميعنا إلى لبناننا وإنسانيتنا لنكون كلنا مواطنين درجة أولى، لا فضل لأحدنا على الآخر إلا بما يقدّمه للوطن والمجتمع. لأن السلبية – إذا ما وُجدت – ستُقابل بسلبية مقابلة، وسلبيتان – كما هو معروف – لا تنتجان شيئًا، فما بالك ببناء وطن.

فهل نتّعظ ونعتبر كي نصل إلى يوم يصبح فيه يوم 13 نيسان فعلًا مجرد ذكرى “تنذكر وما تنعاد”؟

السابق
طهران تحسم أمرها بعدم المشاركة في مفاوضات باكستان.. وترامب يمدد الهدنة ويبقي الحصار
التالي
اجتماع واشنطن غدًا: مسعى لتمديد «الهدنة» وتحديد إطار «المفاوضات المباشرة»