سأحدّثكم عن زينب… المرأة العامليّة التي اختارت الشعر بصيغته المحكيّة لتقول “لا” للموت والكراهية، و”نعم” للحبّ والثورة والحياة.
زينب التي حملت في جلدها قريتها الجنوبيّة ديركيفا، لكنها رفضت أن تُختصر بالأعراف القبائليّة أو بالهويّات الجاهزة، فخلعت عنها القوالب المفروضة، وصاغت لنفسها حضورًا مختلفًا، شعريًّا وسياسيًّا وإنسانيًّا.
لم يكن الشعر لديها ملاذًا جماليًا فحسب، بل وسيلة مواجهة، وصوت اعتراض على واقع جرّ البلاد إلى الحروب والنزوح والموت المجّاني، لتسديد حسابات لا تشبه الوطن.
من القصيدة إلى الخطاب السياسي
اختارت زينب لغتها الشعريّة مدخلًا إلى خطاب سياسي واضح، منحاز للدولة والجيش وفكرة الوطن الجامعة.
واليوم، تمثّل شكلًا من أشكال المعارضة المدنيّة التي ترفض تحويل الجنوب إلى ساحة دائمة للصراعات.
بلغة حادّة ولكن مسؤولة، قرّرت أن تكون في صدارة المدافعين عن حقّ الناس بالحياة، وأن تحثّ النساء خصوصًا على التمرّد على الخوف والصمت.
فانخرطت في الصفوف الأماميّة، لا كناشطة تنظيريّة، بل كوسيط إنساني غير ربحي، يؤمّن المساعدات الغذائيّة والسكن والمأوى لكل عائلة خسرت بيتها أو هربت من جحيم لم تختره.
سيرة معرفة: امرأة خرجت عن النصّ
أعرف زينب منذ أكثر من عشر سنوات، من خلال الشعر والكواليس الأدبيّة.
امرأة لم تخرج فقط عن النصّ الفصيح، بل تمرّدت أيضًا على الخطابات الاجتماعيّة والسياسيّة الملقّنة.
رفضت أن تردّد ببغائيًا شعارات دينيّة أو سياسيّة توزّعها قوى الأمر الواقع في البلدات الجنوبيّة، واختارت أن تقول كلمتها خارج الاصطفافات المعلّبة.
لا يمكن اختزال زينب حمادة بصفة “امرأة شيعيّة متمرّدة”، فهي قبل كل شيء جنوبيّة تقول ما تؤمن به وتمشي.
تواجه التعليقات الذكوريّة الساخرة أو العدائيّة بأدب لاذع، وتحوّل هذا التطويق الديني-الذكوري إلى مادة نقديّة، ترتقي أحيانًا إلى خطاب سياسي ساخر وحادّ في آن.
منبر الناس… لا منصّة الفرد
كما في الشعر، كذلك في السياسة، يتجمهر الناس حول كلماتها افتراضيًا وواقعيًا.
صفحتها على “فايسبوك” ليست مساحة شخصيّة بقدر ما هي منبر جماعي، تستخدم فيه ضمير “نحن”، محاولة التعبير عن وجع الناس لا عن بطولة فرديّة.
لا تملك مؤسّسة خيريّة، ولا تقدّم نفسها كمموِّلة أو زعيمة، بل كامرأة تضع طاقتها الاجتماعيّة والثقافيّة في خدمة الناس، دون استثناء أو استنسابيّة.
في المقابل، تواجه حملات تشهير وشتائم ومواد ذات طابع ذكوري، تُستخدم لإسكاتها وتشويه صورتها. لكنها تردّ بإصرارها على مواقفها، وبكشف التناقض بين خطاب الصمود الافتراضي وواقع من يهاجمونها من خلف الشاشات أو من المهجر.
تذويب الذات في القضيّة
زينب حمادة لا تروّج لمعاناتها الشخصيّة، بل تذيبها داخل المعاناة الجماعيّة.
تكتب الشعر وتخوض النقاش السياسي بلغة أنثويّة جذّابة، لتقول “لا” لكل من يحاول احتكار الدين أو المقاومة أو تعريف الوطن بمعايير مغلقة.
بهندامها المتحرّر، ومنطقها العلماني، وسياقها السياسي الوطني، تواجه ظلاميّات الخطاب الذي يرفع الشعارات دون أن يراجعها أو ينقدها.
هي واحدة من النساء العامليّات اللواتي لا يطلبن الضوء… بل يصنعنه.


