تتولى إسرائيل، منذ بداية الحرب الجارية منذ 2 آذار الماضي، مهمة الإعلام بكل ما يتصل بـ”حزب الله”. وبات الأخير غائبًا كليًا عن هذه المهمة التي كان يتولاها على مدى عقود من السنين. وكان دارجًا أن يتولى ما يسمى “الإعلام الحربي” هذه المهمة، متمتعًا بإمكانات مشهورة في التسجيل المصوّر. ولا نزال نتذكر حتى اليوم كيف كان هذا الإعلام يسجل وقائع العمليات قبلها وأثناءها وبعدها. لكن هذا الدور الإعلامي للحزب اختفى الآن. ويتولى إعلام الجيش الإسرائيلي هذه المهمة حاليًا، وينشر تفاصيل حول العمليات لم يسبق للبنانيين قاطبة أن عرفوا بها من قبل، بما في ذلك أوساط واسعة من “حزب الله” نفسها.
تفاصيل الانكشاف الإعلامي
لا يزال الكثيرون في لبنان وخارجه يتذكرون إطلالة الأمين العام السابق لـ”حزب الله”، السيد حسن نصر الله، مساء يوم الجمعة 14 تموز 2006، وهو يعلن: “الآن في عرض البحر، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية، وعلى بيوت الناس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق”. وقد اعترفت إسرائيل في اليوم التالي بالحادث، و”بفقد أربعة من جنودها في هجوم على بارجة حربية شاركت في قصف بيروت، وإيعاز رئيس وزرائها إيهود أولمرت بتنفيذ هجمات جديدة”.
وأمس الأحد، أعلن “حزب الله” عن استهداف بارجة عسكرية إسرائيلية قبالة السواحل اللبنانية. وقد نفت لاحقًا إذاعة الجيش الإسرائيلي، نقلًا عن مصدر أمني، استهداف “حزب الله” لأي بارجة حربية إسرائيلية. ثم أفادت “القناة 14 الإسرائيلية” بأن الحزب “أطلق صاروخ أرض-بحر نحو سفينة حربية بريطانية اعتقد أنها إسرائيلية، والتقدير أنها أُصيبت بأضرار”.
وهكذا، أصبح ما يعلنه “حزب الله” من معلومات حول مجريات الحرب خاضعًا للتدقيق، وغالبًا من الإعلام الإسرائيلي، كما حصل في واقعة البارجة الأخيرة.
صمت الميدان… وغياب الرواية
في المقابل، توقف “حزب الله” عن الإفادة عما يجري في الميدان من وقائع، بما في ذلك الإعلان عن الخسائر البشرية. وقد تولت، مثلًا، الوكالة الوطنية للإعلام، يوم الجمعة الماضي، إذاعة نبأ “أن مسيّرة إسرائيلية استهدفت، يوم الجمعة الماضي، المصلين أثناء خروجهم من المسجد في بلدة سحمر في البقاع الغربي، ما أدى إلى سقوط شهيدين و11 جريحًا”.
وزادت أوساط من سحمر نفسها بالقول إن من جرى استهدافهم هم عناصر في “حزب الله”، حاولوا إظهار وجودهم في البلدة التي باتت هدفًا للضربات الإسرائيلية، باعتبارها منصة انطلاق لكل القوات التي يرسلها الحزب من البقاع للقتال في الجنوب. وأضافت هذه الأوساط أن هوية القتيلين في غارة الجمعة جرى الإفصاح عنها على مواقع شخصية في التواصل الاجتماعي تعود لأبناء البلدة.
أصبح ما يعلنه “حزب الله” من معلومات حول مجريات الحرب خاضعًا للتدقيق، وغالبًا من الإعلام الإسرائيلي، كما حصل في واقعة البارجة الأخيرة.
وقائع جديدة تكشف الغياب الكامل
وأتت اليوم واقعة أخرى لتميط اللثام عن غياب إعلام “حزب الله” كليًا عن مسرح الأحداث الجارية. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل مسؤول المدفعية في “فرقة الإمام الحسين” التابعة لـ”فيلق القدس” في لبنان، وتدمير مقر إدارة النيران التابع لها.
وفي بيان صادر عنه، قال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم، يوم أمس الأحد، مقرًا رئيسيًا يُعنى بإدارة النيران لـ”فرقة الإمام حسين”، وقضى على مسؤول المدفعية في التنظيم، كمال ملحم، وهو أحد مساعدي قائد الفرقة يحيى حسين، إلى جانب عدد آخر من العناصر.
كما أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، اليوم الاثنين، عبر منصة X: “حتى الآن، دمّرت القوات الإسرائيلية أكثر من 300 بنية تحتية إرهابية جوًا وبحرًا، من بينها مخازن أسلحة ومبانٍ مفخخة ومواقع رصد للعدو في جنوب لبنان. بالإضافة إلى ذلك، قضت القوات على عشرات العناصر الإرهابية، وعثرت على أكثر من 10 فتحات أنفاق تحت الأرض ومئات قطع الأسلحة”.
عينات من فيض الأخبار… بلا أثر لإعلام الحزب
تمثل هذه الأنباء عينات من فيض من الأخبار أصبح، منذ الثاني من آذار الماضي، يملأ مجلدات، حيث لا أثر فيها لإعلام “حزب الله”. وزاد في غياب إعلام الحزب أنه فقد المبنى الرئيسي لقناة “المنار” التلفزيونية التابعة له.
ففي اليوم الأول للحرب، استهدفت غارتان إسرائيليتان مبنى قناة “المنار” في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. وكان العاملون قد غادروا المبنى بعد إصدار الجيش الإسرائيلي تحذيرًا بإخلائه. وقد عجز “حزب الله” حتى الآن عن إيجاد مبنى بديل يوازي بإمكاناته المبنى السابق، ما انعكس ضعفًا ظاهرًا على تغطية القناة التي كانت، لعقود، الوجه الإعلامي البارز لـ”حزب الله” في لبنان والعالم.
الإعلام العبري يملأ الفراغ
وينطوي غياب إعلام “حزب الله” على عجز هائل في مواجهة أخطر حملة يشنها الإعلام العبري، وتتضمن فيضًا من التقارير حول أسرى الحزب الذين يجري اعتقالهم في ميدان القتال في الجنوب.
وبات التقرير الذي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية في 3 نيسان الجاري علامة فارقة على هذا المستوى، لكنه لم يحرّك ساكنًا عند “حزب الله” حتى الآن. وقد أعدت التقرير للصحيفة مايا زانجر-ناديس، وحمل عنوان: “إنهم يرسلوننا للموت”.
وجاء في مقدمة التقرير: “يعبّر عناصر “حزب الله” عن خوفهم واستيائهم من جهود الحرب”. وقال أحد عناصر فرقة “الرضوان”: “أي شخص يغادر منزله يفعل ذلك رغمًا عنه. لا يمكنك أن تخبرهم أنك لا تريد أن تأتي”.
وعندما سُئل الأسير عن سبب عدم رغبة الناس في الانضمام إلى القتال، أوضح: “لو كنت في المنزل ودعوني للحرب، لما كنت أتيت طواعية، لماذا؟ أولًا، لقد خرجت للتو من حرب. لم يمضِ حتى الآن سوى عام ونصف العام على حرب 2024. ثانيًا، جسدي كله – لا يوجد فيه شيء صحي. ثالثًا، لماذا يجب أن أمنع أطفالي وعائلتي من أن يكونوا معي؟”
وسُئل أسير آخر عن المعاملة التي تلقاها من قادته، فقال لمحققي الجيش الإسرائيلي: “الأمر يشبه إرسال حيوانات إلى الحرب. هو (القائد) لا يهتم بذلك. لا يخبرها (الحيوانات)، على سبيل المثال، كيف ستأكل، كيف ستنام – أي نوع من التواصل. مع من المفترض أن أتحدث؟ ماذا يُفترض بي أن أفعل إذا أُصبت؟ إنه مثل كلب يرسل كلبًا إلى المعركة.”
“لماذا يرسلك إذا؟” سأل المحقق، فأجاب الأسير: “للموت، وليس لديك القدرة على الرفض أو قول لا… ما يهم القائد هو أنني أقوم بالعمل، وأن يتم تسجيل ذلك حتى يتم ترقيته في الرتبة.”
ينطوي غياب إعلام “حزب الله” على عجز هائل في مواجهة أخطر حملة يشنها الإعلام العبري، وتتضمن فيضًا من التقارير حول أسرى الحزب
الخلاصة: إسرائيل تمسك بمقاليد رواية الحزب
تفيد كل الوقائع المتتالية أن الساحة الإعلامية أصبحت ساقطة كليًا على مستوى “حزب الله”. كان هذا الإعلام، لأزمنة خلت، أحد أهم الأسلحة التي مارس من خلالها الحزب نفوذًا على مستويات عدة.
أتت الحرب، ولا سيما في ذروتها عام 2024، على الكثير من مقدرات “حزب الله”، وفي طليعتها الإعلام. وسيترك سقوط إعلام الحزب تأثيرًا في سياق الحرب، حيث يمكن للإعلام أن يمثل جبهة قتال حقيقية.
ولا مبالغة في القول إن مقاليد إعلام “حزب الله” باتت الآن بيد إسرائيل، التي صارت هي المرجع الذي يمكن العودة إليه لمعرفة ما يدور في داخل “حزب الله”.

