تعيش المؤسسة الدينية والسياسية في إيران اليوم واحدة من أعقد أزماتها التاريخية، حيث جرى تعيين مجتبى خامنئي، النجل الثاني للمرشد الأعلى علي خامنئي، كمرشد جديد لخلافة والده.
هذا الطرح لا يثير الجدل السياسي حول مبدأ التوريث فحسب، بل يضرب في عمق المفاهيم الفقهية التقليدية للمرجعية وولاية الفقيه.
فالإشكالية اليوم ليست في شخص مجتبى بقدر ما هي في “تسييس المقدس” وتحويل الألقاب العلمية الرفيعة إلى أدوات لضمان استمرارية النظام، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل أصبحت المرجعية “رخيصة” والولاية “للهواة”؟
فجوة “الأعلمية”: المرجعية بين الاستحقاق والتعيين
تاريخياً، استمدت المرجعية الشيعية قوتها من استقلاليتها عن السلطة. المرجع لا يُعين بمرسوم، بل ينال درجته بـ “الشهادة”؛ أي بشهادة المجتهدين والطلاب والجمهور بعمقه العلمي وقدرته الاستنباطية.
وهنا تبرز المعضلة؛ فمجتبى خامنئي لم يمر بالمراحل التقليدية المتعارف عليها في حوزات قم والنجف التي تصقل المرجع. ولم يُعرف له “بحث خارج” أحدث خرقاً علمياً، ولم يتتلمذ على يده طبقة من الفقهاء المستقلين.
يعتمد تسويقه اليوم على ما يمكن تسميته بـ “الاجتهاد السياسي”. حيث تروج الدوائر المحيطة ببيت المرشد والحرس الثوري لفكرة أن “الولي الفقيه” يحتاج إلى “بصيرة أمنية” أكثر من حاجته لـ “تبحر فقهي”. وهذا المنطق يفرغ المرجعية من محتواها العلمي الأصيل، ويجعل من اللقب الحوزوي مجرد واجهة لشرعنة النفوذ السياسي.
ولاية الفقيه: الانزياح من “الأعلم” إلى “الأقوى”
يشترط الدستور الإيراني في مادته الـ 109 أن يكون الولي الفقيه “مجتهداً عادلاً” يمتلك الكفاءة العلمية للإفتاء. إلا أن مسار السلطة شهد “التفافاً دستورياً” منذ عام 1989، حين فُك الارتباط بين المرجعية والولاية للسماح بتولي السيد علي خامنئي المنصب.
هذا الانزياح فتح الباب لما يوصف بـ “ولاية الهواة” فقهياً؛ حيث صار المعيار هو الحنكة السياسية والقبول لدى المؤسسة العسكرية.
إقرأ أيضا: مجتبى خامنئي وُلد ميتًا والحرس الثوري من يقود ايران!
يتم تقديم مجتبى اليوم بوصفه “الصندوق الأسود” للنظام، العارف بخفايا الاستخبارات والجيش، وهي صفات يراها مؤيدوه “فقه الواقع” الذي تحتاجه إيران في ظل المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، متجاهلين أن منصب الولي الفقيه هو في الأساس مقام شرعي يتطلب تفوقاً معرفياً لا يقبل القسمة على التوازنات الأمنية.
صراع الحوزات: “الرسمية” مقابل “التقليدية”
ويعكس صعود مجتبى صراعاً صامتاً ومريراً بين “حوزة السلطة” و”الحوزة التقليدية”.
حوزة السلطة تستخدم الماكينة الإعلامية والمناصب الرسمية لمنح الألقاب الكبرى مثل “آية الله العظمى” بقرارات إدارية لأشخاص لا يمتلكون الرصيد العلمي الكافي، والهدف هو خلق طبقة من “الفقهاء الموظفين”.
في المقابل، ينظر كبار المراجع في قم والنجف بريبة لهذا المسار، معتبرين أن إخضاع الدين لخدمة القصر العسكري يؤدي إلى تجريف التراث الفقهي وتدمير هيبة المذهب.
إن “رخص” المرجعية هنا يكمن في تحولها من مقام للفتوى إلى “ختم” للمصادقة على قرارات سياسية وأمنية.
عقدة التوريث و”شبح الملكية”
تظل العقدة الكبرى هي التناقض الأخلاقي؛ فالثورة الإيرانية قامت أصلاً لإسقاط النظام الملكي الوراثي.
وتحويل السلطة اليوم لنجل المرشد يمثل “مقتلاً” لشرعية الثورة. لذا، يتم محاولة “تغليف” التوريث بغطاء فقهي عبر تصوير مجتبى كمرجع، لإعطاء عملية انتقال السلطة صبغة إلهية متعالية فوق النقد السياسي.
إنها محاولة لصناعة “إمام” بقرار أمني، وهو ما يصطدم برفض شعبي وديني واسع يرى في ذلك عودة لعهد “الشاهنشاهية” لكن بعباءة دينية.
ولا يستند تسويق مجتبى خامنئي إلى تفوّق معرفي برز في أروقة البحث، بل إلى “شرعية القوة” وتطويع النص الفقهي لخدمة البقاء.
و لم يكن تحويل ولاية الفقيه من مقام ‘الفقاهة العليا’ إلى ‘إدارة أمنية’ وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مسار طويل بدأ بتعديل الدستور لتفصيل المنصب على مقاسات سياسية لا فقهية.
لقد نجح حكام إيران في ‘تأميم’ الحوزة، وتحويل كبار الفقهاء من مرشدين للدولة إلى موظفين لديها، حيث تُمنح الألقاب العلمية (مثل آية الله) بناءً على تقارير الولاء لا على رصيد البحوث الاستنباطية.
وهذا التجريف المتعمد للعمق العلمي هو ما سمح اليوم بتعيين مجتبى خامنئي خلفا لوالده، رغم افتقاره لأبسط شروط ‘الأعلمية’ التي كانت يوماً ما شرطاً لا يقبل المساومة، ليصبح المنصب الأرفع في الدولة أشبه بمهمة إدارية تُورّث في الكواليس المظلمة.
إن وصف الموقف بـ “مرجعية للهواة” ليس مجرد اتهام سياسي، بل هو صرخة في وجه عملية “تدمير ممنهج” للمؤسسة الدينية، تحذر من أن ارتهان المرجعية والولاية لمصالح العائلات الحاكمة وسيفقد النظام آخر قشرة من شرعيته الدينية أمام جيل إيراني بات يرى في هذه المؤسسات أداة للقمع والتمكين الطبقي لا منارة للعلم والعدل.

