تبدأ المأساة من سكونٍ مثقلٍ بالترقب، حين يتحول البيت في لحظةٍ خاطفة من ملاذ الطمأنينة إلى هدفٍ للمحو. في تلك البرهة الفاصلة التي تسبق الانهيار، لا يقاس الزمن بحركة العقارب، بل بتمزقِ الروح وهي تنسلُّ من جدرانٍ شيدتها بالحبّ والتعب؛ هي المسافة الفاصلة بين الحضور الدافئ والغياب الذي يتربص خلف غبار الغدر. في جبل عامل، لم تكن المنازل يوماً مجرد حجارة صماء، بل كانت “استراحة للتاريخ”، ومستودعاً لحرارة أنفاس الأجداد التي استقرت في عروق العتبات والمشاجب. هي قصةُ عُمرٍ اكتملت ملامحها في زوايا الغرف، حتى جاء المقذوف المدمر ليعلن تحولاً قسرياً يحيل الاستقرار إلى شتات.
هلع الابرياء
تسلل الخلع إلى الأعماق، ولم يكن فزعاً عابراً، بل كان زلزالاً نفسياً يرجّ أركان السكينة. وحين انطلقت الصيحة، تهاوت الطمأنينة وهرعت الأسر، بـ قلوب واجفة، لانتزاع نبض الحياة من براثن التلاشي الوشيك. رأينا الآباء في ثباتهم المرّ، والأمهات يلملمن أطراف صغارهنّ بعاطفةٍ تفيض وجعاً، يخرجن بما ستر أجسادهنّ في رحلة التيه القسرية. أحدهم خرج “متعبطاً خوفه” وطفلته، يخطو خطواتٍ مثقلة بالذهول فوق رصيفٍ بارد، وقد أبقت يداه القابضتان على الحق “مشجباً بالبيت” كان قد علق عليه أحلامه قبل دقائق، فصارت الآن أمانةً تحت غبار الفجيعة.
وعلى امتداد المدى الوجيع، حيث الحواضر العتيقة والأسواق التي كانت تضجّ بالحياة، كانت القذائف تنحر عظمة الذكريات وتحيل دفء الدور إلى برودة الركام. إن هدم تلك الأبنية فوق رؤوس حكاياتها هو اغتيالٌ للجمال وتشويهٌ متعمّد لوجه الحضارة؛ فكل حجرٍ يتهاوى هو انتزاعٌ لقطعةٍ من قلب الهوية. هناك، حيث كانت العائلات تجتمع حول مائدة إفطارٍ لم تكتمل، حلّ الانفجار لينهي حقبة الأمان ويحول الضياء إلى عتمةٍ تغطي الوجوه التي غدت غريبةً عن ملامحها من شدة الصدمة.
البحث عن الوطن
ثم حلّت “لحظة الغبار”؛ تلك السحابة المهولة التي كفّنت المكان فور الارتطام، لتلفّ الأسر التي سلمت بيوتها وقصص عمرها للريح بصبرٍ أنيق. تحول الغبار الكثيف إلى “ستارٍ وجودي” أطبق على الرؤوس بلقطات من عُمرٍ مضى، وكأن هذا الرماد النازل من السماء يمارس رحمةً قاسية؛ يحجب عن عيونهم مشهد التلاشي المادي لئلا تنكسر الروح أمام تهاوي الحجر، ذاك الحجر الذي ينزف دمعةً صامتة على خد الذكريات، التي تغدو قوة فرسانٍ تشق عباب الزمان نحو بعيدٍ لن يعود، وعلى وجعٍ يُسقى بوجعٍ يآخيه كمولودٍ جديد.
وقفوا هناك، مذهولين، يبحثون عن وطنهم وسط ركام الوفاء، يلتحفون الوجع ويصغون لموسيقى البحر الشاسع التي باتت تعزف لحن الغربة في الدار، مشردين في عقر وطنهم، لكنهم باقون بعزة نفوسهم. في هذا الفراغ المروع، يظل الإنسان هو الرهان الذي لا يتبدد، باعثاً للإرادة من تحت الرماد، يحمل بيته في صدره غصةً تتوق للعودة، بانتظار لحظة الانبعاث التي تعيد بناء الوجود من جديد، وتثبت أن الروح التي سكنت تلك الحواضر أعتى من صمت الركام، وأن كرامة النفوس هي القلعة التي لا تهدمها الصواريخ مهما عتت.

