دعوهم يرتاحون

الفساد

في مثل هذه الأيام قبل واحد وعشرين عامًا، اغتالت خفافيش الظلام صاحبة أيدي الحقد والكراهية الرئيس رفيق الحريري، في ظهيرة يوم عيد الحب في قلب المدينة التي أحبّ، فاغتالت معه حلم غالبية اللبنانيين بوطن يفخر به أبناؤه. وقبل واحد وعشرين عامًا دخل الرئيس سعد الحريري المعترك السياسي من بابه العريض وريثًا للحريرية السياسية.

في 14 شباط 2005 سقط الحلم، وصحا اللبنانيون على كابوس لم يستيقظوا منه إلى اليوم. تسلّم سعد الحريري تلقائيًا قيادة تيار المستقبل وريثًا لوالده، حتى العاشر من كانون الأول 2009 حين شكّل سعد الحريري حكومته الأولى في عهد الرئيس ميشال سليمان ودخل عمليًا نادي رؤساء الحكومات. بعد ذلك شكّل سعد الحريري الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال عون في كانون الأول 2016، وكانت حكومة الحريري الثانية. وفي كانون الثاني من العام 2019 شكّل الحريري حكومته الثالثة، وكانت أيضًا في عهد الرئيس عون.

سعد الحريري: زمن أطول… وظلّ أقصر

واحد وعشرون عامًا أمضاها الرئيس سعد الحريري في المعترك السياسي، رئيسًا لأكبر كتلة نيابية حينًا، ورئيسًا للحكومة أحيانًا، وفي صفوف المعارضة لفترات قصيرة، حتى انتهى به الأمر بقرار الاعتكاف وتعليق العمل السياسي إلى حين.

إلّا أنّ المفارقة اللافتة أنّ الحريري الأب، الذي خاض أشرس المعارك السياسية مع الاحتلال السوري وأدواته في لبنان على مدى خمسة عشر عامًا تقريبًا، نجح في حجز مكانة مرموقة له في تاريخ لبنان، قائدًا لطائفته وزعيمًا على مستوى الوطن، حتى باتت خطابات الرئيس سعد الحريري في كل مناسبة تعدادًا مكررًا لإنجازات والده، متناسيًا إنجازاته الشخصية، بالرغم من أنّه أمضى في الساحة السياسية فترة أطول من فترة الرئيس الشهيد.

بشير الجميل حاضر… ونديم في الظل

على الضفة الأخرى من الوطن، لا يبدو وضع التوريث السياسي أفضل حالًا. فالرئيس بشير الجميل الذي انتُخب رئيسًا للجمهورية في 23 آب 1982 وتم اغتياله في 14 أيلول من العام نفسه، ما زال حاضرًا في وجدان مؤيديه بعد أربعة وأربعين عامًا على استشهاده، أكثر من نجله نديم الجميل الذي دخل المعترك السياسي نائبًا عام 2009 استنادًا إلى شعبية والده، وما زال.

ففي كل ذكرى أو مهرجان حزبي أو شعبي، يستقبل الحضور النائب نديم الجميل ويودّعه بترداد عبارة «بشير حي فينا»، عوضًا عن سؤاله أو محاسبته على فترة وجوده في البرلمان.

عون وباسيل: التوريث في حياة المورِّث

مثال آخر على عقم مبدأ التوريث السياسي وانعكاساته السلبية على البلاد والعباد، نموذج الرئيس ميشال عون وصهره النائب جبران باسيل الذي دخل المعترك السياسي زوجًا لابنة الجنرال.

فالرئيس عون الذي دخل المعترك السياسي من الباب العسكري في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مع كل ما حملت هذه الفترة من تحليلات وتفسيرات وانتقادات، انتهى به الأمر رئيسًا للجمهورية، بعد نفيه إلى باريس وعودته عام 2005، وإبرامه اتفاق مار مخايل مع السيد حسن نصرالله عام 2006، واتفاق معراب مع القوات اللبنانية عام 2018.

أورث الرئيس عون مسيرته، بإرادته، للنائب باسيل، الذي دخل المعترك السياسي فعليًا للمرة الأولى وزيرًا للاتصالات عام 2008، ثم تسلّم في حكومات لاحقة حقيبتي الخارجية والطاقة. كما دخل الندوة البرلمانية للمرة الأولى عام 2018، فأمسك بالمجد من جميع أطرافه بعدما كان قد تسلّم من العماد عون رئاسة التيار الوطني الحر عام 2015.

إلّا أنّ اللافت أنّ التراجع في شعبية «التيار» استمر بعد تسلّم باسيل رئاسته. ولعلّ ما زاد الأمر سوءًا أنّ وصول العماد ميشال عون إلى بعبدا، مدعومًا بكتلة وزارية من عشرة وزراء وكتلة نيابية من 23 نائبًا، لم يحقق أيّة إنجازات لجهة الوفاء بالوعود والشعارات التي أطلقها «التيار» على مدى عقود، فكانت النتيجة إطلاق شعار «ما خلّونا» للتستّر على حقيقة إيصال البلد إلى جهنّم.

المورّثون لا يرتاحون… والورثة لا يكتفون

بالعودة إلى مآسي التوريث السياسي، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العماد عون الذي أورث باسيل كل مسيرته وهو حيّ يُرزق، لم يستطع التقاعد والاستراحة في فيلته الجديدة في الرابية، لأن باسيل الذي ظلّ بحاجة دائمة لرافعة سياسية وانتخابية، لا يتورّع عن اصطحاب عمّه المسنّ إلى الاحتفالات والمهرجانات والجولات، على أمل شدّ عصب العونيين وإعادتهم إلى حظيرة «التيار».

في المحصّلة، لا يختلف اثنان على سلبيات ومساوئ التوريث السياسي. إلّا أنّ أسوأ ما في الأمر أنّ المورِّثين، الأحياء منهم والأموات، لا يرتاحون أبدًا لا في دنياهم ولا في مثواهم الأخير، لأن من يرثون، أطماعهم لا تنتهي، ويصرّون على استحضار مورّثيهم في كل مناسبة لاستغلال الإرث حتى الثمالة.

السابق
اليونيفيل والجيش اللبناني ينجزان عملية تعطيل قذيفتين في العديسة
التالي
معلومات عن جلسة مرتقبة لتأجيل الانتخابات النيابية.. ومكتب بري يردّ