نداء اخير لنواف سلام

نواف سلام

لم تعد القرارات الصادمة في لبنان تُحدِث صدمة،كأن البلاد دخلت مرحلة سياسية عنوانه التكيّف مع الألم بدل مقاومته. قرارات تمسّ البنزين، ترفع ضريبة القيمة المضافة، وتقدّم زيادات رواتب ممولة من جيوب المنهكين أنفسهم، مرّت على مجتمع يعيش الإفلاس كواقع يومي لا ككارثة طارئة. وفي لحظة كان يُفترض أن يتفجّر فيها الشارع، اكتفى اللبنانيون بانفعال رقمي سريع، ثم عادوا إلى روتين البقاء.

نحن أمام ظاهرة أخطر من الانهيار المالي نفسه،تحوّل الوجع إلى حالة طبيعية،فلم يعد اللبناني يواجه القرار بوصفه اعتداءً على معيشته، بل كجزء متوقّع من المشهد العام. وكأن العلاقة بين الدولة والمواطن تحوّلت من عقد اجتماعي إلى علاقة تحمّل قسري السلطة تُقرّر، والمجتمع يتكيّف.

لم يعد السؤال لماذا؟ بل إلى أي حد يمكن الاحتمال بعد.
المفارقة أنّ هذه الإجراءات تأتي على أبواب رمضان، في زمن حربٍ مفتوحة على الحدود، وفي اقتصادٍ بلا نموّ ولا استثمار ولا أفق ومع ذلك، لم يولد الغضب السياسي القادر على التحوّل إلى فعل،غضب بلا تنظيم، اعتراض بلا قيادة، وسخط بلا ذاكرة.

اللبناني اليوم ليس فقط منهكًا اقتصاديًا إنّه مُنهك نفسيًا ومدنيًا

إنّه نمط جديد من الحياة العامة(احتجاج موسمي سريع التبخّر، يريح السلطة أكثر مما يزعجها.
اللبناني اليوم ليس فقط منهكًا اقتصاديًا إنّه مُنهك نفسيًا ومدنيًا،سنوات الانهيار المتواصل أعادت تشكيل وعيه الجمعي،فالخسارة أصبحت معيارًا، والتراجع بات توقّعًا، والتسوية مع الأسوأ صارت مهارة بقاء.

لم يعد المواطن يطلب إصلاحًا جذريًا، بل تخفيفًا مؤقتًا للضغط،هكذا تنتصر السلطة لا بقوّتها، بل بإنهاك مجتمعها.

دولة الرئيس نواف سلام ، عندما تولّيت رئاسة الحكومة، ساد شعور عام بأن البلاد قد تدخل طورًا مختلفًا من الإدارة السياسية، قائمًا على المقاربة المؤسساتية واللغة القانونية والوعود بالإصلاح،لكن القرارات الأخيرة، ومعها مناخ عام من المعالجات الترقيعية، بدأت تُحدث شرخًا في هذا الرصيد الرمزي،فالمشكلة لم تعد في شخص الحاكم، بل في بنية حكمٍ تعيد إنتاج نفسها مهما تغيّرت الوجوه.

دولةٌ تُموّل زياداتها من جيوب ناسها لا تُصلح الخلل بل تعيد توزيعه،وسياسةٌ تُخاطب الناس بلغة الأرقام من دون أن تمسّ جوهر الانهيار، تُدير الأزمة ولا تعالجها.

ما ينقص لبنان اليوم ليس قرارًا ماليًا إضافيًا، بل قرارًا سياسيًا يعيد تعريف دور الدولة

ما ينقص لبنان اليوم ليس قرارًا ماليًا إضافيًا، بل قرارًا سياسيًا يعيد تعريف دور الدولة(من جابي ضرائب إلى حارس كرامة عامة، من إدارة عجز إلى صناعة أفق.
دولة الرئيس، هذه ليست مناشدة عاطفية، بل معادلة سياسية صافية،فحين يتوقّف المجتمع عن الغضب، لا يعني أنّه راضٍ،يعني أنّه فقد ثقته بجدوى الاعتراض،وحين تفقد السلطة خوفها من ردّة الفعل، تخسر في المقابل شرعيتها الأخلاقية.

إن أخطر ما يواجهه لبنان اليوم ليس الانهيار المالي، بل الانهيار في معنى المواطنة.

الإصلاح ليس بيانًا حكوميًا، بل تغيير في ميزان القوى بين الدولة ومواطنيها لمصلحة هؤلاء

إن كنتم تريدون استعادة الثقة، فابدأوا من حيث يتألم الناس فعلًا(شفافية لا انتقائية فيها، عدالة ضريبية لا تجميل فيها، أولوية للخدمات الأساسية لا للموازنات الورقية، وخطة اقتصادية تُقاس بقدرتها على وقف النزف لا بتأجيله.

الإصلاح ليس بيانًا حكوميًا، بل تغيير في ميزان القوى بين الدولة ومواطنيها لمصلحة هؤلاء.

في لبنان اليوم، لم تعد المأساة تُقاس بحجم الخسارة، بل بمدى الاعتياد عليها والمجتمع الذي تعلّم أن يتأقلم مع الانهيار، تعلّم أيضًا أن يخفض سقف توقعاته من الدولة إلى الحد الأدنى من البقاء،وهنا تكمن الخطورة القصوى فعندما تصبح النجاة الفردية بديلًا عن الفعل الجماعي، تتحوّل الأزمات من أحداث قابلة للتغيير إلى قدرٍ دائم.
هذه صرخة لا ضدّ قرارٍ بعينه، بل ضدّ زمنٍ صار فيه كل شيء عاديًا،والبلاد التي تعتاد الانكسار، لا تحتاج إلى خصوم كي تسقط. تحتاج فقط إلى مزيدٍ من الاعتياد.

السابق
وداعُ رجلِ المراحل الصعبة: رحيل محسن دلول عن 93 عاماً
التالي
احتجاجًا على البنزين… سائقو الأجرة يقطعون خلدة والرينغ ويشلّون الحركة